مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٦ - ٤ سورة النساء
ثم إنّ اللَّه سبحانه يهددهم بأنّ عليهم أن يخضعوا للحق ويذعنوا له قبل أن يُصابوا بإحدى عقوبتين: الاولى: أن تنمحي صورهم كاملة، وأن تذهب عنهم جوارحهم وأعضاؤهم التي يرون ويسمعون ويدركون بها الحق، كلها ثم تقلب وجوههم إلى خلف كما يقول سبحانه: «مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا» [١].
والمراد من «الطمس وإعفاء الأثر والرّد على العقب» في الآية الحاضرة هو المحو الفكري والروحي، والتأخر المعنوي.
وأمّا العقوبة الثانية التي هددهم اللَّه بها فهي اللعن والطرد من رحمته تعالى إذ قال: «أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ» [٢].
إنّ أهل الكتاب بإصرارهم على مخالفة الحق يسقطون ويتقهقرون أو يهلكون.
ثم إنّ اللَّه يختم هذه الآية بقوله: «وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا» ليؤكّد هذه التهديدات، فإنّه لا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تقف في وجه إرادة اللَّه ومشيئته.
٤/ ٤٨ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) أرجى آيات القرآن: الآية الحاضرة تعلن بصراحة أنّ جميع الذنوب والمعاصي قابلة للمغفرة والعفو، إلا «الشرك» فإنّه لا يغفر أبداً، إلّاأن يكف المشرك عن شركه ويتوب ويصير موحداً. «إِنَّ اللَّهَ لَايَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَاءُ». إنّ إرتباط هذه الآية بالآيات السابقة إنّما هو من جهة أنّ اليهود والنصارى كانوا بشكل من الاشكال مشركين، كل طائفة بشكل معين، والقرآن ينذرهم- بهذه الآية- بأن يتركوا هذه العقيدة الفاسدة التي لا يشملها العفو والغفران، ثم يبين في خاتمة الآية دليل هذا الأمر إذ يقول:
«وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا» [٣].
[١] «الطمس»: هو إزالة الأثر بالمحو، مثل أن نهدم بيتاً ثم نزيل أثره بالمرة، ولكنّه يطلق- كناية- على ما فقد أثره وخاصيّته.
[٢] أصحاب السبت هم الذين ستأتي قصّتهم في سورة الأعراف عند تفسير الآيات (١٦٣- ١٦٦).
[٣] «الإفتراء»: مشتقة من مادة «فرى» على وزن (فرد) بمعنى القطع، وحيث إنّ قطع بعض أجزاء الشىء السالم يفسد ذلك الشيء ويخربه إستعمل في كل مخالفة، ومن جملة ذلك الشرك والكذب والتهمة.