مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣ - ٢ سورة البقرة
ننتج من هذا التراب نفسه ألوان المصنوعات، كذلك اللَّه سبحانه خلق من هذه الحروف الهجائية المتداولة، موضوعات ومعان سامية، في قوالب لفظية جميلة، وعبارات موزونة، وأسلوب خاص، وهذه الحروف الهجائية موجودة تحت تصرف الإنسان، لكنه عاجز عن صنع جمل وعبارات شبيهة بالقرآن.
الأدب في العصر الجاهلي: من المهم أن نذكر هنا أنّ العصر الجاهلي كان عصراً ذهبياً للأدب العربي. فالوثائق المتوفرة بأيدينا تشير إلى أنّ العرب الحفاة الجفاة الجاهليين، كانوا يتمتعون بذوق أدبي رفيع. وكان للأدب سوق رائجة تدلّ على اهتمام العرب بلغتهم وآدابهم، و (سوق عكاظ) وأمثالها من الأسواق الأدبية تعكس هذا الإهتمام بوضوح.
والسوق المذكور كان يشهد- إضافة إلى المعاملات الاقتصادية والقضايا الاجتماعية- حركة أدبية تعرض خلالها أفضل مقطوعات الشعر والنثر، ويتم فيها انتخاب أفضل ما قيل من النظم خلال العام، وكانت القصيدة الفائزة تعدّ فخراً كبيراً للشاعر ولقبيلته.
في مثل هذا العصر من الإنتعاش الأدبي، يتحدى القرآن الناس أن يأتوا بمثله، ولكنهم عجزوا.
الشاهد الناطق على هذا المنحى من تفسير الحروف المقطعة، حديث في تفسير البرهان عن الإمام علىّ بن الحسين عليه السلام حيث يقول:
«كذّبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا هذا سحر مبين، تقوّله، فقال اللَّه:
«الم* ذلِكَ الْكِتَابُ»
أي يا محمّد، هذا الكتاب الّذي أنزلته عليك هو الحروف المقطّعة التي منها الف ولام وميم، وهو بلغتكم وحروف هجائكم فأتوا بمثله إن كنتم صادقين واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم».
بعد البسملة وذكر الآية الاولى من سورة البقرة يقول تعالى: «ذلِكَ الْكِتَابُ لَارَيْبَ فِيهِ».
وقوله: «لَارَيْبَ فِيهِ» ليس إدعاء، بل تقرير لحقيقة قرآنية مشهودة، وهي أنّ القرآن يشهد بذاته على حقانيته.
ومن المشهود أنّ مرّ العصور وكرّ الدهور لم يقلل من طراوة القرآن، بل إنّ حقائق القرآن، ازدادت وضوحاً بتطور العلوم وبانكشاف أسرار الكائنات، وكلما إزداد العلم تكاملًا إزدادت آيات القرآن جلاء وسطوعاً.