مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٤
تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا». فهؤلاء قد غرقوا في الضلال بحيث لم يبق أمل في هدايتهم، فاستحقوا بذلك عذاب اللَّه ولم تعد تنفع فيهم شفاعة الشافعين، وفي هذا المجال تقول الآية الكريمة: «وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيًا». وقد تدنّست قلوب هؤلاء إلى درجة لم تعد قابلة للتطهير، وحرمهم اللَّه لذلك طهارة القلوب، فتقول الآية: «أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ». وعمل اللَّه مقرون بالحكمة دائماً، لأنّ من يقضي عمراً في الانحراف ويمارس النفاق والكذب ويخالف الحق ويرفض الحقيقة، ويحرف قوانين اللَّه لن يبقى له مجال للتوبة والعودة إلى الحق، حيث تقول الآية الكريمة في هذا المجال: «لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الْأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ».
أمّا
الآية الثانية
فتؤكد- مرّة اخرى- على أنّ هؤلاء لديهم آذان صاغية لإستماع حديث النّبي صلى الله عليه و آله لا لإطاعته بل لتكذيبه، أو كما يقول تفسير آخر فإنّ هؤلاء آذانهم صاغية لإستماع أكاذيب كبارهم، فتقول الآية: «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ».
كما أضافت الآية صفة شنيعة اخرى اتّصف بها اليهود وهي تعوّدهم وادمانهم على أكل الأموال المحرّمة والباطلة من الربا والرشوة وغير ذلك، حيث تقول الآية: «أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ» [١].
ثم تخيّر الآية النبي صلى الله عليه و آله بين أن يحكم بينهم أو أن يتجنبهم ويتركهم، حيث تقول الآية:
«فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ».
ولكي تعزز الآية الإطمئنان في نفس النبي صلى الله عليه و آله- إن هو ارتأى الإعراض عن هؤلاء لمصلحة- أكّدت قائلة: «وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيًا».
كما أكّدت ضرورة إتّباع العدل وتطبيقه إذا كانت الحالة تقتضي أن يحكم النبي بين هؤلاء فقالت الآية: «وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ».
٥/ ٤٣ وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ مَا أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)
[١] «سحت»: في الأصل نزع القشرة، أو شدّة الجوع، ثم اطلقت على كل مال غير مشروع، أي محرّم، وبالأخص الرشوة، لأنّ مثل هذه الأموال تنزع الصفاء والمودّة عن المجتمع وتزيل عنه البركة والرخاء مثلما يؤدّي نزع قشر الشجرة إلى ذبولها وجفافها.