مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٦ - ٢ سورة البقرة
٢- من أسرار السعي بين الصفا والمروة: إبراهيم عليه السلام بلغه الكبر ولم يُرزق ولداً، فدعى ربّه أن لا يتركه فرداً، فاستجاب له، ورزقه من جاريته هاجر ولداً سماه «إسماعيل».
لم تستطع «سارة» زوجته الاولى أن تطيق الحالة الجديدة، وقد رزق إبراهيم ولداً من غيرها، فأمر اللَّه إبراهيم أن يهاجر بالطفل والأم إلى مكة حيث الأرض القاحلة المجدبة آنذاك، ويسكنهما هناك.
امتثل إبراهيم أمر ربّه، وذهب بهما إلى صحراء مكة وأسكنهما فيتلك الأرض، وهمّ بالرجوع، فضجّت زوجته بالبكاء، إذ كيف تستطيع أن تعيش امرأة وحيدة مع طفل رضيع في مثل هذه الأرض؟
بكاء هاجر ومعه بكاء الطفل الرضيع هزّ إبراهيم من الأعماق، لكنه لم يزد على أن ناجى ربّه قائلًا: «رَّبَّنَا إِنّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوةَ فَاجْعَلْ أَفِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» [١]. ثم ودّع زوجه وطفله بحزن وألم عميقين.
لم يمض وقت طويل حتى نفذ طعام الام وماؤها، وجفّ لبنها، بكاء الطفل أضرم في نفس الأم ناراً، ودفعها لأن تبحث بقلق واضطراب عن الماء، اتجهت أولًا إلى جبل «الصفا» فلم تجد للماء أثراً، لَفت نظرها بريق ماء عند جبل «المروة» فأسرعت إليه فوجدته سراباً، ثم رأت عند المروة بريقاً لدى الصفا أسرعت إليه فما وجدت شيئاً، وهكذا جالت سبع مرات بين الصفا والمروة بحثاً عن الماء، وفي النهاية، وبعد أن أشرف الطفل على الموت، انفجرت عند رجله فجأة عين زمزم، فشرب الطفل وامه ونجيا من الموت المحقق.
في الصفا والمروة درس في التضحية بكل غال ونفيس، حتى بالطفل الرضيع، من أجل المبدأ والعقيدة.
السعي بينهما يعلمنا أن نعيش دائماً أمل النجاح والانتصار.
السعي بين الصفا والمروة يقول لنا: اعرفوا قدر نعمة هذا الدين وهذا المركز التوحيدي، فثمة أفراد حفظوا الشريعة وشعائرها لنا بدمائهم على مرّ التاريخ.
من أجل إحياء كل تلك الأحاسيس والمشاعر في النفوس، أمر اللَّه الحجيج أن يسعوا سبع مرات بين الصفا والمروة.
[١] سورة إبراهيم/ ٣٧.