مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩١ - ٤ سورة النساء
ولهذا يستدل بها فقهاء الإسلام في جميع أبواب المعاملات والمبادلات المالية. إنّ هذه الآية تخاطب المؤمنين بقولها: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ». وعلى هذا الأساس يندرج تحت هذا العنوان الكلي كل لون من ألوان العدوان، والغش، وجميع المعاملات الربوية، والمعاملات المجهولة الخصوصيات تماماً، وتعاطي البضائع التي لا فائدة فيها بحكم العقلاء، والتجارة بأدوات اللهو والفساد والمعصية وما شاكل ذلك.
إنّ التعبير ب
«الأكل»
كناية عن كل تصرف، سواء تمّ بصورة الأكل المتعارف أو اللبس، أو السكنى أو غير ذلك، تعبير رائج في اللغة العربية وغير العربية.
ثم إنّ اللَّه سبحانه يقول معقباً على العبارات السابقة: «إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنكُمْ».
ثم إنّه تعالى ينهى في ذيل هذه الآية عن قتل الإنسان لنفسه إذ يقول: «وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ». وظاهر هذه الجملة بقرينة قوله: «إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا». النهي عن الانتحار، يعني أنّ اللَّه الرحيم كما لا يرضى بأن تقتلوا أحداً، كذلك لا يسمح لكم ولا يرضى بأن تقتلوا أنفسكم بأيديكم.
ويشير القرآن بذكر هذين الحكمين بصورة متتالية إلى نكتة اجتماعية مهمة، وهي أنّ العلاقات الاقتصادية في المجتمع إذا لم تكن قائمة على أساس صحيح، ولم يتقدم الاقتصاد الاجتماعي في الطريق السليم، ووقع الظلم والتصرف العدواني في أموال الغير أصيب المجتمع بنوع من الإنتحار، وآل الأمر إلى تصاعد حالات الانتحار الفردي مضافاً إلى الانتحار الجماعي الذي هو من آثار الانتحار الفردي ضمناً.
كما حذّر قائلًا: «وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَانًا وَظُلمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا» [١]. أي إنّ من يعصي هذه الأحكام ويتجاهل هذا التحذير، ويأكل أموال الآخرين بالباطل ودون استحقاق، أو ينتحر بيديه لم يصبه العذاب الأليم في الدنيا فحسب، بل ستصيبه نار الغضب الإلهي، وهذا أمر هيّن على اللَّه: «وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا».
[١] «الصلي»: يعني في الأصل الإقتراب إلى النار، ويطلق على التدفؤ والإحتراق والإكتواء بالنار أيضاً، وقداستعملت في الآية الحاضرة في معنى الإحتراق بالنار.