مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٥ - ٢ سورة البقرة
الحق. الآية الاولى تقول: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ».
هذه الهدايا والعطايا التي ينالونها من هذا الطريق نيران محرقة تدخل بطونهم.
ثم تتعرض الآية إلى عقاب معنوي سينال هؤلاء أشد من العقاب المادي، وتقول: «وَلَا يُكَلّمُهُمُ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيمَةِ وَلَا يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».
يستفاد من هذه الآية والآية التالية أنّ واحدة من أعظم المواهب الإلهيّة في الآخرة أن يكلّم اللَّه المؤمنين تلطفاً بهم. أي: إنّ المؤمنين سينالون في الآخرة نفس المنزلة التي نالها أنبياء اللَّه في الدنيا وأية لذة أعظم من هذه اللذة!
بديهي أنّ تكليم اللَّه عباده بمعني إنّه بقدرته الواسعة يخلق في الفضاء أمواجاً صوتية خاصة قابلة للسمع والإدراك، (كما كلّم اللَّه موسى عند جبل الطور)، أو أنّه يتكلم مع خاصة عباده بلسان القلب عن طريق الإلهام.
وقد يسأل سائل عن تكليم اللَّه المجرمين يوم القيامة، استناداً إلى ما ورد في الآيات كقوله تعالى: «قَالَ اخْسُوا فِيهَا وَلَا تُكَلّمُونِ» [١].
والجواب: أنّ المقصود من التكليم في آيات بحثنا، هو تكليم عن لطف وحب واحترام، لا عن تحقير وطرد وعقوبة فذلك من أشد الجزاء.
الآية التالية
تحدد وضع هذه المجموعة وتبين نتيجة صفقتها الخاسرة وتقول: «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّللَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ». فهؤلاء خاسرون من ناحيتين: من ناحية تركهم الهداية واختيار الضلالة، ومن ناحية حرمانهم من رحمة اللَّه واستحقاقهم بدل ذلك العقاب الإلهي، وهذه مبادلة لا يقدم عليها إنسان عاقل. لذلك تتحدث الآية عن هؤلاء بلغة التعجب وتقول: «فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ».
آخر آية
في بحثنا تقول إنّ ذلك التهديد والوعيد بالعذاب لكاتمي الحق، يعود إلى أنّ اللَّه أنزل القرآن بالدلائل الواضحة، حتى لم تبق شبهة لأحد: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ».
مع ذلك فإنّ زمرة محرفة تعمد إلى كتمان الحقائق صيانة لمصالحها، وتثير الإختلاف في الكتاب السماوي لتتصيد في الماء العكر.
[١] سورة المؤمنون/ ١٠٨.