مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٨ - ٤ سورة النساء
ومن شأنه تقوية أواصر الودّ والمحبة والعلاقة القلبية وكسب العواطف إذ يقول: «فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيًا مَّرِيًا». أي: لو تنازلت الزوجة عن شيء من المهر ووهبته للزوج عن طيب نفسها جاز للزوج أكل الموهوب له، وإنّما أقرّ الإسلام هذا المبدأ لكيلا تكون البيئة العائلية والحياة الزوجية ميداناً لسلسلة من القوانين والمقررات الجافة، بل يكون مسرحاً للتلاقي العاطفي الإنساني، وتسود في هذه الحياة المحبة جنباً إلى جنب مع المقررات والأحكام الحقوقية المذكورة. الصّداق دعامة إجتماعية للمرأة: لما كانت المرأة- في العصر الجاهلي- لم تحظ بأية قيمة أو مكانة كان الرجل إذا تزوج امرأة ترك أمر صداقها- الذي هو حقها المسلم- إلى أوليائها، فكان أولياؤها يأخذون صداقها، ويعتبرونه حقّاً مسلماً لهم لا لها، وربّما جعلوا التزوج بامرأة صداقاً لإمرأة اخرى، مثل أن يزوج الرجل أخته بشخص على أن يزوج ذلك الشخص أخته بذلك الرجل، وكان هذا هو صداق الزوجتين.
ولقد أبطل الإسلام كل هذه التقاليد والأعراف الظالمة، واعتبر الصداق حقّاً مسلماً خاصاً بالمرأة، وأوصى الرجال مرّات عديدة وفي آيات الكتاب العزيز برعاية هذا الحق للمرأة.
وأمّا تفسير البعض لمسألة المهر بنحو خاطىء، واعتبار الصداق أنّه من قبيل ثمن المرأة فلا يرتبط بالقوانين الإسلامية، لأنّ الإسلام لا يعطي للصداق الذي يقدمه الرجل إلى المرأة صفة الثمن كما لا يعطي المرأة صفة البضاعة القابلة للبيع والشراء، وأفضل دليل على ذلك هو صيغة عقد الزواج الذي يعتبر فيه الرجل والمرأة كركنين أساسيين في الرابطة الزوجية، في حين يقع الصداق والمهر على هامش هذا العقد، ويعتبر أمراً إضافياً، بدليل صحّة العقد إذا لم يرد اسم المهر فيه، و ليس كذلك في صيغة البيع والشراء وغير ذلك من المعاملات المالية إذ بدون ذكر الثمن تبطل هذه المعاملات.
من كل ما قيل نستنتج أنّ المهر بمثابة جبران للخسارة اللاحقة بالمرأة، وبمثابة الدعامة القوية التي تساعد على احترام حقوق المرأة، لا أنّه ثمن المرأة، ولعل التعبير بالنّحلة التي هي بمعنى العطية في الآية إشارة إلى هذه النقطة.