مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٨
سبب النّزول
في تفسير مجمع البيان: أنّ ثلاثة نفر خرجوا من المدينة تجاراً إلى الشام: تميم بن اوس الداري وأخوه عدي، وهما نصرانيان، وابن أبي مارية، مولى عمرو بن العاص السهمي، وكان مسلماً، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، مرض ابن أبي مارية، فكتب وصيّة بيده، ودسّها في متاعه وأوصى إليهما، ودفع المال إليهما وقال: أبلغا هذا أهلي. فلما مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما منه ثم رجعا بالمال إلى الورثة. فلما فتش القوم المال، فقدوا بعض ما كان قد خرج به صاحبهم، فنظروا إلى الوصية، فوجدوا المال فيها تامّاً، فكلموا تميماً وصاحبه، فقالا: لا علم لنا به وما دفعه إلينا أبلغناه، كما هو، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه و آله فنزلت الآية.
التّفسير
من أهم المسائل التي يؤكدها الإسلام هي مسألة حفظ حقوق الناس وأموالهم وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهذه الآيات تبيّن جانباً من التشريعات الخاصة بذلك، فلكيلا تغمط حقوق ورثة الميت وأيتامه الصغار، يصدر الأمر للمؤمنين قائلًا: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنكُمْ».
لابدّ من القول بأنّ القضية هنا لا تتعلق بالشهادة العادية المألوفة، بل هي شهادة مقرونة بالوصاية، أي إنّ هذين وصيّان وشاهدان في الوقت نفسه.
ثم تأمر الآية: إذا كنتم في سفر ووافاكم الأجل ولم تجدوا وصيّاً وشاهداً من المسلمين فاختاروا اثنين من غير المسلمين: «أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ».
والمقصود من غير المسلمين هم أهل الكتاب من اليهود والنصاري طبعاً، لأنّ الإسلام لم يقم وزناً في أيّة مناسبة للمشركين وعبدة الأصنام مطلقاً.
ثم تقرّر الآية حمل الشاهدين عند الشهادة على القسم باللَّه بعد الصلاة، في حالة الشك والتردد: «تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدَ الصَّلَوةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ».
ويجب أن تكون شهادتهما بما مفاده: إنّنا لسنا على استعداد أن نبيع الحق بمنافع مادية فنشهد بغير الحق حتى وإن كانت الشهادة ضدّ أقربائنا: «لَانَشْتَرِى بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا