مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٥ - ٢ سورة البقرة
لقد ضيعوا كل شيء وكأنّهم أرادوا أن يكون النبي الموعود من بني إسرائيل، ولهذا تألموا من نزول القرآن على غيرهم، بل ممن شاءه اللَّه: «أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ».
ولذلك شملهم غضب اللَّه المتوالي: «فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ».
«باءو»: بمعنى رجعوا- وأقاموا في المكان- وهنا تعني استحقاقهم لعذاب اللَّه، فكأنّهم عادوا وهم محملون بهذا الغضب الإلهى، أو كأنّهم اتخذوا موقفاً يغضب اللَّه.
هؤلاء القوم كانوا يعيشون على أمل ظهور النبي المنقذ، قبل دعوة موسى وقبل دعوة النبي الخاتم صلى الله عليه و آله وكان موقفهم من الرسولين الكريمين واحداً، هو النكول والإعراض، واستحقوا غضب اللَّه وسخطه مرة بعد اخرى.
٢/ ٩٣- ٩١ وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَ يَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَ لَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢) وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَ عَصَيْنَا وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) العصبية القومية لدى اليهود: يشير القرآن مرة اخرى إلى عصبية اليهود القومية ويقول: «وَإذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ».
فهم لم يؤمنوا بالإنجيل ولا بالقرآن، بل إنّهم يدورون حول محور العنصرية والمصلحية، فيجرأون على رفض الدعوة التي جاءت تصديقاً لما معهم في التوراة: «وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدّقًا لِّمَا مَعَهُمْ». ويكشف القرآن زيف ادّعائهم مرة اخرى حين يقول لهم: «قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ». هؤلاء يدّعون أنّهم يؤمنون بما أنزل عليهم، فهل التوراة تبيح لهم قتل الأنبياء؟