مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٨
من الخمر، كما جاء في تفسير في ظلال القرآن ج ٣، ص ٣٣) كان يدعو اللَّه تعالى: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً. فلمّا نزلت الآية (٢١٩) من سورة البقرة: «يَسَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ...» قرأها عليه النبي صلى الله عليه و آله فظل على دعائه وكذلك فلمّا نزلت الآية (٤٣) من سورة النساء: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى». فلمّا نزلت آية المائدة دعي فقرأت عليه فلما بلغ قول اللَّه تعالى «فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ» قال: انتهينا انتهينا!
التّفسير
مراحل تحريم الخمر وحكمها النهائي: سبق أنّ ذكرنا في ذيل الآية (٤٣) من سورة النساء، إنّ معاقرة الخمر في الجاهلية وقبيل الإسلام كانت منتشرة إنتشاراً أشبه بالوباء العام، حتى قيل: أنّ حبّ عرب الجاهلية كان مقصوراً على ثلاثة: الشعر والخمر والغزو.
من الواضح أنّ الإسلام لو أراد أن يحارب هذا البلاء الكبير الشامل بغير أن يأخذ الأوضاع النفسية والاجتماعية بنظر الاعتبار لتعذّر الأمر وشقّ تطبيق التحريم، لذلك إتخذ أسلوب التحريم التدريجي وإعداد الأفكار والأذهان لإقتلاع هذه الآفة من جذورها، وهي العادة التي كانت قد تأصّلت في نفوسهم وعروقهم، ففي أوّل الأمر وردت إشارات في الآيات المكية تستقبح شرب الخمر، إلّاأنّ تلك العادة الخبيثة- عادة معاقرة الخمرة- كانت أعمق من أن تستأصل بهذه الإشارات، عندما هاجر المسلمون إلى المدينة وأسسوا أولى الحكومات الإسلامية، نزلت آية ثانية- هى الآية (٢١٩) من سورة البقرة- أشدّ في تحريم الخمر من الاولى.
إنّ تقدّم المسلمين في التعرّف على أحكام الإسلام، أصبحا سبباً في نزول آية صريحة تماماً في تحريم الخمر حتى سدّت الطريق أمام الذين كانوا يتصيّدون الأعذار والمسوّغات، وهذه الآية هي موضوع البحث.
وإنّه مما يستلفت النظر أنّ تحريم الخمرة يعبّر عنه في هذه الآية بصوره متنوعة:
١- فالآية تبدأ بمخاطبة المؤمنين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا». أي إنّ عدم الصدوع بهذا الأمر لا ينسجم مع روح الإيمان.
٢- استعمال «إنّما» التي تعني الحصر والتوكيد.
٣- وضعت الخمر والقمار إلى جانب الأنصاب (وهي قطع أحجار لا صورة لها كانت تتخذ كالأصنام) للدلالة على أنّ الخمر والقمار لا يقلّان ضرراً عن عبادة الأصنام، ولهذا جاء (في تفسير جامع البيان) عن النبي صلى الله عليه و آله قال:
«شارب الخمر كعابد الوثن».