مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٦ - ٤ سورة النساء
وأنّبهم لموقفهم هذا بقوله: «قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى». وفي هذا المقطع القرآني ردّ آخر على اولئك المنافقين، حيث بيّن أنّ الموت آتيهم يوماً لا محالة، حتى إذا تحصنوا في قلاع عالية ومنيعة بحسب ظنّهم، ومادام الموت يدرك الإنسان بهذه الصورة أليس من الخير له أن يموت على طريق مثمر وصحيح كالجهاد؟!
يشير القرآن في هاتين الآيتين إلى وهم آخر من أوهام المنافقين، حين يوضح أنّ هؤلاء إذا أحرزوا نصراً أو غنموا خيراً قالوا: إنّ اللَّه هو الذي أنعم عليهم بذلك، وزعموا أنّهم أهل لهذه النعمة: «وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ».
أمّا إذا مني هؤلاء بهزيمة أو لحقهم أذى في ميدان القتال، ألقوا اللوم على النبي صلى الله عليه و آله وافتروا عليه بقولهم إنّ ما نالهم من سوء هو من عنده، متهمين خططه العسكرية بالضعف، من ذلك ما حدث في غزوة احد. تقول الآية: «وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِندِكَ».
إنّ القرآن الكريم يردّ على هؤلاء مؤكداً إنّ الإنسان المسلم الموحد الذي يؤمن صادقاً باللَّه ويعبده ولا يعبد سواه، إنّما يعتقد بأنّ كل الوقائع والأحداث والإنتصارات والهزائم هي بيد اللَّه العليم الحكيم، فاللَّه هو الذي يهب الإنسان ما يستحقه ويعطيه بحسب قيمته الوجودية، وفي هذا المجال تقول الآية: «قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ».
والآية- هذه- تحمل في آخرها تقريعاً وتأنيباً للمنافقين الذين لا يتفكرون ولا يمعنون في حقائق الحياة المختلفة، حيث تقول: «فَمَالِ هؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَايَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا».
وبعد هذا- في
الآية التالية
- يصرح القرآن بأنّ كل ما يصيب الإنسان من خيرات وفوائد وكل ما يواجهه الكائن البشري من سرور وإنتصار هو من عند اللَّه، وإنّ ما يحصل للإنسان من سوء وضرر وهزيمة أو خسارة فهو بسبب الإنسان نفسه. تقول الآية: «مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ».
وتردّ الآية في آخرها على اولئك الذين كانوا يرون وجود النبي صلى الله عليه و آله سبباً لوقوع الحوادث المؤسفة فيما بينهم فتقول: «وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا».
وحين تنسب الآية الاولى الخير والشر كله للَّه، فإنّ ذلك معناه أنّ مصادر القوة جميعها بيد اللَّه العليم القدير حتى تلك القوّة التي يساء استخدامها، ومن هذا المنطلق تنسب الخير والشر للَّه، لأنّه هو واهب القوى. والآية الثانية: تنسب «السيئات» إلى الناس إنطلاقاً من مفهوم «الجوانب السلبية» للقضية ومن الإساءة في استخدام المواهب الإلهية.