مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٤ - ٤ سورة النساء
الملاحظات والمجاملات أثناء أداء الشهادة، وأن يكون هدف الشهادة بالحق هو كسب مرضاة اللَّه فقط، حتى لو أصبحت النتيجة في ضرر الشاهد أو أبيه أو أمه أو أقاربه: «شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ». وتشير الآية بعد ذلك إلى عوامل الانحراف عن مبدأ العدالة، فتبيّن أنّ ثروة الأغنياء يجب أن لا تحول دون الإدلاء بالشهادة العادلة، كما أنّ العواطف والمشاعر التي تتحرك لدى الإنسان من أجل الفقراء، يجب أن تكون سبباً في الإمتناع عن الادلاء بالشهادة العادلة حتّى ولو كانت نتيجتها لغير صالح الفقراء، لأنّ اللَّه أعلم من غيره بحال هؤلاء الذين تكون نتيجة الشهادة العادلة ضدهم، فلا يستطيع صاحب الجاه والسلطان أن يضرّ بشاهد عادل يتمتع بحماية اللَّه، ولا الفقير سيبيت جوعاناً بسبب تحقيق العدالة، تقول الآية في هذا المجال:
«إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا».
وللتأكيد أكثر تحكم الآية بتجنّب إتّباع الهوى، لكي لا يبقى مانع أمام سير العدالة وتحقيقها إذ تقول الآية: «فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا» [١].
ويتّضح من هذه الجملة أنّ مصدر الظلم والجور كلّه، هو إتّباع الهوى، فالمجتمع الذي لا تسوده الأهواء يكون بمأمن من الظلم والجور.
ولأهمية موضوع تحقيق العدالة، يؤكد القرآن هذا الحكم مرّة اخرى، فيبين أنّ اللَّه ناظر وعالم بأعمال العباد- فهو يشهد ويرى كل من يحاول منع صاحب الحق عن حقه، أو تحريف الحق، أو الإعراض عن الحق بعد وضوحه، فتقول الآية: «وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا» [٢].
وتثبت الآية اهتمام الإسلام المفرط بقضية العدالة الاجتماعية، وإنّ مواطن التأكيد المتكررة في هذه الآية تبيّن مدى هذا الإهتمام الذي يوليه الإسلام لمثل هذه القضية
[١] يمكن أن تكون عبارة «تعدلوا» اشتقاقاً إمّا من مادة «العدالة» أو من مادة «العدول» فإن كانت من مادة «العدالة» يكون معنى الجملة القرآنية هكذا: فلا تتبعوا الهوى لأن تعدلوا أي لكي تستطيعوا تحقيق العدل، وأما إذا كانت من مادة «العدول» يكون المعنى هكذا: فلا تتّبعوا الهوى في أن تعدلوا أي لا تتّبعوا الهوى في سبيل الانحراف عن الحق.
[٢] «تلووا»: مشتقة من المصدر «لي» وتعني المنع والإعاقة وقد وردت في الأصل بمعنى اللّي والبرم.