الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ٨٠ - كتاب العقل والجهل
فمنها: أنّ الهواء مادّة للنفس الضروريّ، الذي لو انقطع لحظة عن الحيوان لمات.
ثمّ لا يخفى أنّ كلّما كانت الحاجة إليه أشدَ كان إدراكه ونيله أسهلَ، وأنّ احتياج الناس إلى الهواء أشدّ الحاجات وأعظمها، بحيث إنّه لو انقطع عنه لحظةً لمات، لا جرم كان وجدانه أسهلَ من وجدان كلّ شيء.
وبعد الهواء الماء؛ لأنّ الحاجة إليه وإن كانت شديدة؛ إذ[١] به حياة كلّ شيء إلّاأنّها ليست كالحاجة إلى الهواء، فلا جرم وجود الهواء أسهل من وجود الماء؛ لأنّ نيله وجذبه لابدّ من تكلّف الاغتراف بخلاف ما عليه أمر جذب الهواء؛ لأنّ أسباب جذبه حاضرة أبداً.
ومنها: أنّ الهواء مادّة لخلقة النبات وغيرها التي يُحتاج إليها في الاغتذاء والرواء.
ومنها: أنّ الهواء لو لم يكن في فُرَج الأجسام الغذائيّة ومسامها وغيرها لتعفّن وفسد، وفسادها يؤدّي إلى فساد الإنسان والحيوان.
قال عليه السلام: «وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ»[٢]. [ص ١٣ ح ١٢]
أقول: سُمّي السحاب سحاباً لانسحابه في الهواء. ومعنى التسخير في اللغة:
التذليل[٣] وتسميته مسخّراً بوجوه:
أحدها: أنّ طبع الماء ثقيل لبرودته يقتضي النزول، فكان بقاؤه في الجوّ العالي على خلاف ما يقتضيه طبعه، فلابدّ له من قاهر يقهره من فوقه، وذلك إمّا قاسر أو مسخّر، والفرق بينهما أنّ المؤثّر في شيء على مقتضى طبعه إن كان أمراً خارجاً عن ذاته مبايناً له في الوضع، فهو قاسر، وإن كان أمراً مقوِّماً له فهو مسخّر.
ومن البيّن في موضعه أنّ حركة مثل هذه الأجسام على هذا الوجه لا تكون بالقسر، فتكون بالتسخير، فيدلّ على وجود فاعل علويّ لأغراض كلّيّة.
وثانيها: أنّه لو دام السحاب، لعظم ضرره حيث يحجب عن ضوء الشمس، ويكثر
[١]. في المخطوطة:« إذا».
[٢]. البقرة( ٢): ١٦٤.
[٣]. الصحاح، ج ٢، ص ٦٨٠( سخر).