الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٢٨ - كتاب العقل والجهل
ثمّ قال: «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ»[١] يعني ليس المراد التولِّيَ مطلقاً، بل شأنك الإفاضة والتعليم، ولكن نفعه ليس إلّالطائفة مخصوصة من الناس، وهم المؤمنون حقّاً كما أنّ الصيّاد يبسط الشبكة لاصطياد نوع خاصّ من الطيور برزق مخصوص، وهو المقصود من بسط الشبكة في الأرض دون غيره «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ»[٢]، وإلّا فما من رزق إلّافي القرآن قسم منه؛ لقوله تعالى: «وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ»[٣].
ففيه غذاء الأرواح وقوت القلوب، وفيه أيضاً ما ينفع العوامّ الذين بمنزلة الأنعام في الدنيا من أحكام الديات والقصاص والمناكحات والمعاملات والمواريث وغيرها ممّا ينتظم به صلاح أمر الدنيا للكلّ، وأمر الدنيا والدين للخواصّ والكمّل، ففيه الأغذية المعنويّة والصوريّة والمنافع الدنيويّة والاخرويّة «مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ»[٤]
فإذنْ الذكرى- وهو نور القلب وحياة الروح- إنّما ينفع المؤمنين حقّاً دون غيرهم؛ لأنّهم الذين يحيى أرواحهم بروح الذكر، ويتنوّر قلوبهم بنور الهدى، ويعرج به أشخاصهم إلى عالم القدس وتصعد به كلمتهم إلى سماء القربة والشهود ومجاورة الحقّ المعبود.
ولعلّ مراده عليه السلام من ذكر هذه الآية التنبيه على دلالتها على مدح اولي الألباب وحسن أحوالهم، بيان ذلك أنّه لما دلّت الآيات المنقولة على أنّ أهل التذكّر هم خاصّةً، وهذه الآية على أنّ الذكرى تنفع المؤمنين فيظهر من جميع هذه الآيات أنّ المؤمنين هم اولوا الألباب خاصّةً وأنّ الموصوف بالإيمان الحقيقي ليس إلّاهو، وفيه من المدح ما لا
[١]. الذّاريات( ٥١): ٥٥.
[٢]. البقرة( ٢): ٦؛ يس( ١٠): ١٠.
[٣]. الأنعام( ٦): ٥٩.
[٤]. النازعات( ٧٩): ٣٣؛ عبس( ٨٠): ٣٢.