الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١١٧ - كتاب العقل والجهل
المعصية، فلعلّه أراد الجمع بين متناقضين، ولا يليق ذلك بالعقلاء «أَ فَلا تَعْقِلُونَ».
الثالث: أنّ من وعظ وأظهر علمه للناس ولم يتّعظ، وزجرهم ولم ينزجر، فيصير هذا داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجرأة على المعصية، فإذا كان غرض الوعظ الزجرَ عن المعصية ثمّ أتى بفعل يوجب الجرأة عليها، فكأنّه جمع بين متناقضين وذلك ينافي أفعال العقلاء فقال: «أَ فَلا تَعْقِلُونَ».
وقال عليه السلام: «قصم ظهري رجلان: عالم يتهتّك، وجاهل متنسّك»[١].
قال عليه السلام: يا هشام ذمّ اللَّه الكثرة. [ص ١٥ ح ١٢]
أقول: هذا مع ما سبق من قوله: «ذمّ اللَّه الذين لا يعقلون» يدلّان بحسب المفهوم على أنّ العقلاء من الناس قليلون، وهم محمودوا لعاقبة دون غيرهم، فالقولان بمنزلة القياس من الشكل الثاني؛ لاشتراكهما في المحمول وهو «المذموم» هكذا: الكثير مذموم، والعاقل غير مذموم، ينتجان أن ليس العاقل بذميم ولا كثيرٍ، والجهّال كثيرون مذمومون، وإليه الإشارة بقوله: «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ»[٢] كما يرشد إليه قوله: «وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»[٣].
هذه الآية كما تدلّ على أنّ أكثر الناس على الجهالة والضلالة، كذلك تدلّ على أنّ الهدى والرشد في عدم اتّباع ما عليه الجمهور من حيث هم عليه، فلو فرض ما عليه الجمهور حقّاً، فإنّما بحسب القبول والاتّباع إذا علم صدق ذلك بدليلٍ، لا مجرّدِ كونهم عليه، فالمتّنع حينئذٍ هو الدليل العقلي أو النصّ لا قولهم ليكون تقليداً.
قال عليه السلام: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ»[٤]. [ص ١٥ ح ١٢]
أقول: دلّت بحسب المفهوم على أنّ أكثر الناس يقولون ما لا يعلمون، وأنّهم لا يؤمنون باللَّه قلباً واعتقاداً بل لساناً واعترافاً، وذلك لأنّ كونه تعالى خالقَ السماوات والأرض مسألة نظريّة لا تعلم إلّا بمقدّمات علميّة، وأكثر الناس بمعزل عن نيلها
[١]. الدرّ النظيم، ص ٣٨٦؛ تفسير الرازي، ج ٣، ص ٤٧؛ منية المريد، ص ١٨١.
[٢]. العنكبوت( ٢٩): ٦٣.
[٣]. الأنعام( ٦): ١١٦.
[٤]. لقمان( ٣١): ٢٥.