دانشنامه عقايد اسلامي - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٠٤
٣٥٢٤.عنه عليه السلام ـ أَيضا ـ: اِعلَم ـ يا مُفَضَّلُ ـ أنَّ اسمَ هذَا العالَم بِلِسانِ اليونانِيَّةِ الجارِيَ المَعروفَ عِندَهُم «قوسموس» وتَفسيرُهُ «الزّينَةُ» وكَذلِكَ سَمَّتهُ الفَلاسَفَةُ ومَنِ ادَّعَى الحِكمَةَ ، أفَكانوا يُسَمّونَهُ بِهذَا الاِسمِ إِلاّ لِما رَأَوا فيهِ مِنَ التَّقديرِ وَالنِّظامِ ؟ فَلَم يَرضَوا أن يُسَمّوهُ تَقديرا ونِظاما حَتّى سَمَّوهُ زينَةً ؛ لِيُخبِروا أنَّهُ ـ مَعَ ما هُوَ عَلَيهِ مِنَ الصَّوابِ وَالإِتقانِ ـ عَلى غايَةِ الحُسنِ وَالبَهاءِ . أَعجَبُ ـ يا مُفَضَّلُ ـ مِن قَومٍ لا يَقضونَ صَناعَةَ الطِّبِّ بِالخَطَاَءوهُم يَرَونَ الطَّبيبَ يُخطِئُ ، ويَقضون عَلَى العالَمِ بِالإِهمالِ ولا يَرَون شَيئا مِنهُ مُهمَلاً ! بَل أعجَبُ مِن أَخَلاقِ مَن ادَّعَى الحِكمَةَ حَتّى جَهِلوا مَواضِعَها فِي الخَلقِ ، فَأَرسَلوا أَلسِنَتَهُم بِالذَّمِّ لِلخالِقِ ـ جَلَّ وعَلا ـ ! بَلِ العَجَبُ مِنَ المَخذولِ «مانيّ » حينَ ادَّعى عِلمَ الأَسرارِ ، وعَمِيَ عَن دَلائِلِ الحِكمَةِ فِي الخَلقِ ، حَتّى نَسَبَهُ إِلَى الخَطَاَء، ونَسَبَ خالِقَهُ إِلَى الجَهلِ ، تَبارَكَ الحَليمُ الكَريمُ ! وأَعجَبُ مِنهُم جَميعا المُعَطِّلَةُ الَّذين راموا أن يُدرَكَ بِالحِسِّ ما لا يُدرَكُ بِالعَقلِ ، فَلَمّا أَعوَزَهُم ذلِكَ خَرَجوا إِلَى الجُحُودِ وَالتَّكذيبِ فَقالوا : ولِمَ لا يُدرَكُ بِالعَقلِ ؟ قيلَ : لِأَنَّهُ فَوقَ مَرتَبَةِ العَقلِ كَما لا يُدرِكُ البَصَرُ ما هُوَ فَوقَ مَرتَبَتِهِ ؛ فَإِنَّكَ لَو رَأَيتَ حَجَرا يَرتَفِعُ فِي الهَواءِ عَلِمتَ أنَّ رامِيا رَمى بِهِ ، فَلَيسَ هذَا العِلمُ مِن قِبَلِ البَصَرِ ، بَل مِن قِبَلِ العَقلِ ؛ لِأَنَّ العَقلَ هُوَ الَّذي يُمَيِّزُهُ ، فَيَعلَمُ أنَّ الحَجَرَ لا يَذهَبُ عُلوا مِن تِلقاءِ نَفسِهِ . أفَلا تَرى كَيفَ وَقَفَ البَصَرُ عَلى حَدِّهِ فَلَم يَتَجاوَزهُ ؟ فَكذلِكَ يَقِفُ العَقلُ عَلى حَدِّهِ مِن مَعرِفَةِ الخالِقِ فَلا يَعدوهُ ، ولكِن يَعقِلُهُ بِعَقلٍ أقَرَّ أنَّ فيهِ نَفسا ولَم يُعايِنها ولَم يُدرِكها بِحاسَّةٍ مِنَ الحَواسِّ . وعَلى حَسَبِ هذا أَيضا نَقولُ : إِنَّ العَقلَ يَعرِفُ الخالِقَ مِن جِهَةٍ توجِبُ عَلَيهِ الإِقرارَ ، ولا يَعرِفُهُ بِما يوجِبُ لَهُ الإِحاطَةَ بِصِفَتِهِ . . . فَأَمّا أَصحابُ الطَّبائِعِ فَقالوا : إِنَّ الطَّبيعَةَ لا تَفعَلُ شَيئا لِغَيرِ مَعنىً ، ولا تَتَجاوَزُ عَمّا فيهِ تَمامُ الشَّيءِ في طَبيعَتِهِ ، وزَعَموا أنَّ الحِكمَةَ تَشهَدُ بِذلِكَ ، فَقيلَ لَهُم : فَمَن أَعطَى الطَّبيعَةَ هذِهِ الحِكمَةَ وَالوُقوفَ عَلى حُدودِ الأَشياءِ بِلا مُجاوَزَةٍ لَها ، وهذا قَد تَعجِزُ عَنهُ العُقولُ بَعدَ طولِ التَّجارِبِ ، فَإِن أَوجَبوا لِلطَّبيعَةِ الحكِمَةَ وَالقُدرَةَ عَلى مِثلِ هذِهِ الأَفعالِ فَقَد أَقَرّوا بِما أَنكَروا ؛ لِأَنَّ هذِهِ هِيَ صِفاتُ الخالِقِ ، وإِن أَنكَروا أن يَكونَ هذا لِلطَّبيعَةِ فَهذا وَجهُ الخَلقِ يَهتِفُ بِأَنَّ الفِعلَ لِلخالِقِ الحَكيمِ . [١]
[١] بحار الأنوار : ج ٣ ص ١٤٦ نقلاً عن الخبر المشتهر بتوحيد المفضّل .