دانشنامه عقايد اسلامي - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢١٦
٣٥٣٨.بحار الأنوار عن المفضّل بن عمر : قالَ الصادقُ عليه السلام : فَكِّر ـ يا مُفَضَّلُ ـ في أَعضاءِ البَدَنِ أَجمَعَ وتَدبيرِ كُلٍّ مِنها لِلإِربِ [١] ؛ فَاليَدانِ لِلعِلاجِ ، وَالرِّجلانِ لِلسَّعيِ ، وَالعَينانِ لِلاِهتِداءِ ، وَالفَمُ لِلاِغتِذاءِ ، وَالمِعدَةُ لِلهَضمِ ، وَالكَبِدُ لِلتَّخليصِ ، وَالمَنافِذُ لِتَنفيذِ الفُضولِ ، وَالأَوعِيَةُ لِحَملِها ، وَالفَرجُ لاِءِقامَةِ النَّسلِ ، وكَذلِكَ جَميعُ الأَعضاءِ إِذا تَأَمَّلتَها وأَعمَلتَ فِكرَكَ فيها ونَظَرَكَ ؛ وَجَدتَ كُلَّ شَيءٍ مِنها قَد قُدِّرَ لِشَيءٍ عَلى صَوابٍ وحِكمَةٍ . فَقُلتُ : يا مَولايَ ، إِنَّ قَوما يَزعُمونَ أنَّ هذا مِن فِعلِ الطَّبيعَةِ ! فَقالَ : سَلهُم عَن هذِهِ الطَّبيعَةِ ، أهِيَ شَيءٌ لَهُ عِلمٌ وقُدرَةٌ عَلى مِثلِ هذِهِ الأَفعالِ ، أم لَيسَت كَذلِكَ ؟ فَإِن أَوجَبوا لَهَا العِلمَ وَالقُدرَةَ فَما يَمنَعُهُم مِن إِثباتِ الخالِقِ فَإِنَّ هذِهِ صَنعَتُهُ؟ وإِن زَعَموا أنَّها تَفعَلُ هذِهِ الأَفعالَ بِغَيرِ عِلمٍ ولا عَمدٍ ، وكانَ في أَفعالِها ما قَد تَراهُ مِنَ الصَّوابِ وَالحِكمَةِ عُلِمَ أنَّ هذَا الفِعلَ لِلخالِقِ الحَكيمِ ، وأنَّ الَّذي سَمَّوهُ طَبيعَةً هُوَ سُنَّةٌ في خَلقِهِ الجارِيَةِ عَلى ما أَجراها عَلَيهِ ... . أُنظُرِ الآنَ ـ يا مُفَضَّلُ ـ إِلى هذِهِ الحَواسِّ الَّتي خُصَّ بِهَا الإِنسانُ في خَلقِهِ وشُرِّفَ بِها عَلى غَيرِهِ ، كَيفَ جُعِلَتِ العَينانُ فِي الرَّأسِ كَالمَصابيحِ فَوقَ المَنارَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِن مُطالَعَةِ الأَشياءِ ، ولَم تُجعَل فِي الأَعضاءِ الَّتي تَحتَهُنَّ كَاليَدَينِ وَالرِّجلَينِ فَتَعرِضَهَا الآفاتُ ، وتُصيبَها مِن مُباشَرَةِ العَمَلِ وَالحَرَكَةِ ما يُعَلِّلُها ويُؤَثِّرُ فيها ويَنقُصُ مِنها ، ولا فِي الأَعضاءِ الَّتي وَسَطَ البَدَنِ كَالبَطنِ وَالظَّهرِ فَيَعسُرَ تَقَلُّبُها وَاطِّلاعُها نَحوَ الأَشياءِ ، فَلَمّا لَم يَكُن لَها في شَيءٍ مِن هذِهِ الأَعضاءِ مَوضِعٌ كانَ الرَّأسُ أَسنَى المَواضِعِ لِلحَواسِّ ، وهُوَ بِمَنزِلَةِ الصَّومِعَةِ لَها . فَجَعَلَ الحَواسَّ خَمسا تَلقى خَمسا لِكَيلا يَفوتَها شَيءٌ مِنَ المَحسوساتِ ، فَخَلَقَ البَصَرَ لِيُدرِكَ الأَلوانَ ؛ فَلَو كانَتِ الأَلوانُ ولَم يَكُن بَصَرٌ يُدرِكُها لَم يَكُن مَنفَعَةٌ فيها ، وخَلَقَ السَّمعَ لِيُدرِكَ الأَصواتَ ؛ فَلَو كانَتِ الأَصواتُ ولَم يَكُن سَمعٌ يُدرِكُها لَم يَكُن فيها إِربٌ ، وكَذلِكَ سائِرُ الحَواسِّ . ثُمَّ هذا يَرجِعُ مُتَكافِئا ؛ فَلَو كانَ بَصَرٌ ولَم يَكُن ألوانٌ لَما كانَ لِلبَصَرِ مَعنىً ، ولَو كانَ سَمعٌ ولَم يَكُن أصواتٌ لَم يَكُن لِلسَّمعِ مَوضِعٌ . فَانظُر كَيفَ قَدَّرَ بَعضَها يَلقى بَعضا فَجَعَلَ لِكُلِّ حاسَّةٍ مَحسوسا يَعمَلُ فيهِ ، ولِكُلِّ مَحسوسٍ حاسَّةً تُدرِكُهُ . ومَعَ هذا فَقَد جُعِلَت أَشياءُ مُتَوَسِّطَةً بَينَ الحَواسِّ وَالمَحسوساتِ ، لا يَتِمُّ الحَواسُّ إِلاّ بِها ، كَمِثلِ الضِّياءِ وَالهَواءِ ؛ فَإِنَّهُ لَو لَم يَكُن ضِياءٌ يُظهِرُ اللَّونَ لِلبَصَرِ لَم يَكُنِ البَصَرُ يُدرِكُ اللَّونَ ، ولَو لَم يَكُن هَواءٌ يُؤَدِّي الصَّوتَ إِلَى السَّمعِ لَم يَكُنِ السَّمعُ يُدرِكُ الصَّوتَ ، فَهَل يَخفى عَلى مَن صَحَّ نَظَرُهُ وأَعمَلَ فِكرَهُ أنَّ مِثلَ هذَا الَّذي وَصَفتُ من تَهيِئَةِ الحَواسِّ وَالمَحسوساتِ بَعضُها يَلقى بَعضا ، وتَهِيئَةِ أَشياءَ أُخَرَ بِها تَتِمُّ الحَواسُّ لا يَكونُ إِلاّ بِعَمدٍ وتَقديرٍ مِن لَطيفٍ خَبيرٍ ؟ [٢]
[١] الإرْبُ : الحاجة (لسان العرب : ج ١ ص ٢٠٨) .[٢] بحار الأنوار : ج ٣ ص ٦٩ عن المفضّل بن عمر في الخبر المشتهر بتوحيد المفضل .