دانشنامه عقايد اسلامي - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٨٤
تجلّي الخالق في مرآة الخلق
إِنّ إِدراك تجلّي الخالق في مرآة الخلق يتناسب شدّةً وضعفا مع ميزان قوّة رؤية الإنسان ، فكلّما كانت موانع المعرفة عنده أقلّ وقوّة الرؤية العقلية والقلبية أكثر ، فإنّ تجلّي الخالق ـ تبارك وتعالى ـ في مرآة الخلق بالنسبة له أكثر إِحساسا وأشدّ إِدراكا . إِنّ المحقّق البحراني ، في بيانه لأَنواع الادراكات الإنسانية لتجلّيات الخالق في الخلق ، يُصنّف الناسَ إِلى أَربعة أَصناف فيقول : إنّ تجلّيه يعود إلى إجلاء معرفته من مصنوعاته لقلوب عباده ، حتى أَشبهت كلّ ذرةٍ من مخلوقاته مرآةً ظهر فيها لهم ، فهم يشاهدونه على قدر قبولهم لمشاهدته وتفاوت تلك المشاهدة بحسب تفاوت أَشعّة أَبصار بصائرهم ؛ فمنهم : من يرى الصنيعة أَولاً والصانع ثانيا . ومنهم : من يراهما معا . ومنهم : من يرى الصانع أولاً . ومنهم : من لا يرى مع الصّانع غيره . [١] ولأَجل توضيح هذا التقسيم فإنّنا نذكر مثالاً يوضّح إِلى حدّ ما هذا المطلب ؛ لو كانت لديك مرآة وتريد أن تنظر إِلى صورة شيء معيّن فيها ، فإنّك تارة ترى المرآة أَوّلاً ثمّ ترى الصورة ، وتارة ترى المرآة والصورة معا ، أي عند رؤية الصورة تنتبه إِلى المرآة أيضا ، وتارة ترى الصورة أَوّلاً ثُمّ تنتبه إِلى المرآة ، وتارة تُمعِن النّظر في الصورة إِلى الحدّ الذي لا تنتبه إِلاّ إِلى الصورة التي في المرآة ، فلا ترى شيئا آخر غيرها . ومع الاعتناء بهذا المثال فإنّه يمكن تقسيم الناس ، الذين يتمتّعون بالبصيرة العقلية من حيث إِدراك تجلّي الخالق في مرآة الخلق ، إِلى أربعة أقسام : القسم الأول : أُولئك الذين يراجعون مرآة الخلق ، فيشاهدون تلك المرآة أَوّلاً ، ثُمّ يتجلّى الخالق ثانيا لعقولهم من خلال مطالعة مرآة الخلق وملاحظتها . القسم الثاني : الذين يتمتعون بقوّة رؤية أَدقّ ، فيعرفون الخالق قبل معرفة القسم الأَوّل ، حيث يرون مرآة الخلق والخالق في آنٍ واحد ، وبعبارة أُخرى : إِنّهم يرون الخالق في هذه المرآة وبواسطتها ، أي في الوقت الذي ترى عيونهم الجبل والبحر والشجر وغيرها من الموجودات ، فإنّهم يرون الخالق ـ جلّ وعلا ـ بالبصيرة العقلية . القسم الثالث : أُولئك الّذين تعشّقوا الخالق وتولّهوا به إِلى درجة ، حينما ينظرون إِلى مرآة الخلق ، يرون الخالق أَوّلاً ، ثُمّ ينتبهون إِلى الخلق ، فهم يتوصّلون إِلى الخلق عن طريق الخالق ، ولا يتوصّلون إِلى الخالق عن طريق الخلق . القسم الرابع : هم الذين في أَوج المعرفة الإلهية ، وإِنّ معرفتهم ومحبّتهم للّه سبحانه بلغت حدّا بحيث لا يرون شيئا إِلاّ هو تعالى ، وهذه المرتبة لا يبلغها إِلاّ الأَنبياء عليهم السلام ومن بلغ الكمال من البشر الذين يرون أنّ الوجود الحقيقي منحصر باللّه تعالى وحدَه ، ووجود ما عداه سبحانه اعتباريّ كالظلّ [٢] .
[١] شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني : ج ٣ ص ٣٨ .[٢] هؤلاء الذين يقولون عند مناجاة الخالق ـ جلّ وعلا ـ ما ورد في دعاء عرفة المنسوب إلى الإمام الحسين عليه السلام ، والذي جاء فيه : «كيف يُستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقرٌ إليك ، أ لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المُظهِر لك؟ متى غِبتَ حتّى تحتاجَ إلى دليلٍ يدلُّ عليك؟ ومتى بَعُدتَ حتّى تَكونَ الآثارُ هي التي توصِل إليك؟ عميت عين لا تراك عليها رقيبا ...» .