رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ٨٩ - «الدولة الفاطمية» (خلافة المعز لدين اللّه)
و امر اولاده و اخوته الامراء و ولي العهد و سائر اهل الدولة ان يمشوا في خدمة جوهر و هو راكب و كتب الى سائر عماله يأمرهم اذا قدم عليهم جوهر ان يترجلوا مشاة في خدمته. فلما قدم برقة اقتدى صاحبها ترجله و مشيه في ركابه بخمسين الف دينار ذهبا فابى جوهر الا ان يمشي في ركابه ورد المال فمشى
و لما رحل من القيروان الى مصر في ١٤ ربيع اول سنة ٣٥٨ ه ودعه اهلها و ممنا قاله محمد بن هانىء بهذا الشأن قوله
رأيت بعيني فوق ما كنت اسمع* * * و قد راعني يوم من الحشر اروع
غداة كأن الافق سدّ بمثله* * * فعاد غروب الشمس من حيث تطلع
فلم أدر اذ ودعت كيف اودع* * * و لم أدر اذ شيعت كيف اشيع
فما زال جوهر في طريقه الى مصر برّا حتى دخلها و سار نحو الصعيد و اسرع جنوبا ليرد هجمات ملك النوبة الذي كان نازلا نحو مصر و لم يدركه جيش جوهر حتى بلغ اصوان و قد نهبها و ذبح اهلها و استعبد من بقى حيا و عاد الى بلاده. أما جوهر فكان قد تملك الصعيد كله
و لما توفى كافور و وقع الخلاف بين أبي الفوارس و حسين كان جوهر على حدود الفسطاط فاتاه الاهلون و الامراء و معهم الوزير جعفر و جماعة من الاعيان الى الجيزة في يوم الثلثاء ١٢ شعبان سنة ٣٥٨ ه و التقوا بالقائد و نادى مناد فنزل الناس كلهم الا الشريف و الوزير فترجلوا و سلموا عليه واحدا فواحدا و الوزير عن شماله و الشريف عن يمينه. و لما فرغوا من السلام ابتدأوا في دخول البلد من زوال الشمس و عليهم السلاح و العدد. و دخل جوهر بعد العصر و طبوله و بنوده بين يديه و عليه ثوب ديباج مثقل و تحته فرس اصفر و نزل في ما هو موضع القاهرة اليوم. ثم نزل الى الفسطاط بمن معه و خطب في جامع عمرو باسم المعز لدين اللّه و ازال الشعار الاسود العباسي و ألبس الخطباء الثياب البيض فبايعه الناس. و بعد يسير اصبحت جميع البلاد المصرية خاضعة للدولة الفاطمية بدون مقاومة فكتب لمولاه المعز بما اتاه اللّه من الفتح
و في يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة أمر جوهر ان يزاد عقيب الخطبة «اللهم صلّ على محمد المصطفى و على علي المرتضي و على فاطمة البتول و على الحسن و الحسين سبطى الرسول الذين اذهب اللّهّ عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا. اللهمّ و صلّ على الأئمة الطاهرين اباء المؤمنين» و في ايامه صار يذكر بالآذان حي على خير العمل
فلم يأل القائد جوهر جهدا في تثبيت قدم هذه الدولة في الديار المصرية و قد اخذ