رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ٦٩ - «خلافة محمد المعتصم»
كما أزالت غيرها مما نسمع به و لا نراه. و كان كلفا بمجالسة العلماء و الحكماء لا يخلو مجلسه منهم و لم يكن يقتصر على العلماء من شعبه و ملته لكنه استدعلى اليه جماعة من علماء النصارى و اليهود و اليونان و الفرس حتى المجوس و الهنود و قربهم منه و لم يفرق بين أحد منهم بالاكرام و السخاء
«خلافة محمد المعتصم»
فلما توفى الخليفة المأمون خلفه أخوه محمد المعتصم بن هارون الرشيد الثالث في ١٨ رجب سنة ٢١٨ ه و هو اول من اتخذ لفظ الجلالة في لقبه فلقب نفسه المعتصم باللّه.
و كان قد اقر امارة مصر لكيدر الذي كان نائبا عنه فيها ثم كتب اليه يأمره باسقاط من في ديوان مصر من العرب و قطع العطاء عنهم. ففي شهر ربيع آخر سنة ٢١٩ ه توفى كيدر و تولى مكانه المظفر بن كيدر. و في سنة ٢٢٠ ه توفى المظفر و تولى مكانه موسى ابن أبي العباس الملقب بالشيباني و يلقبه آخرون بالشامي. و في سنة ٢٢٤ ه استدعلى موسى من مصر فاستخلف مالكا الذي يلقبه بعضهم بالهندي و البعض الآخر بالكندي و هو ابن كيدر المتقدم الذكر. و في سنة ٢٣٥ عزل مالك و عهدت ولاية مصر بامر الخليفة الى ابى جعفر اشناس و هو آخر من ولي مصر بأمر المعتصم
و في سنة ٢٢٧ ه أصيب الخليفة المعتصم بحمى في سامرّا و في ١٨ ربيع الاول من تلك السنة توفى. و من الغريب ما لهذا الخليفة من الحظ في الرقم (٨) فان بينه و بين أبي العباس اول الخلفاء العباسيين ثمانية اعقاب ولد في شعبان و هو الشهر الثامن من السنة القمرية و هو الخليفة الثامن من بني العباس و تولى الخلافة سنة ٢١٨ و عمره ٣٨ سنة و ثمانية اشهر و مدة حكمه ٨ سنين و ٨ اشهر و ٨ ايام و توفى في ١٨ ربيع الاول في السنة الثامنة و الاربعين من عمره و ترك ثمانية اولاد ذكور و ثماني أناث و حضر ثماني مواقع حربية و أخيرا وجد في خزينته عند موته ثمانية ملايين من الدنانير و ثمانون الف درهم و قد قيل انه بناء على هذا الاتفاق الغريب دعي (بالمثمن)
و قد كان هذا الخليفة نقطة ابتداء تقهقر دولة العرب و لعله كان السبب في ذلك التقهقر لانه كان ضعيف السياسة بعيدا من الفضائل و الآداب أميا لا يعرف الكتابة لكنه كان قوي البدن يحمل ما وزنه الف رطل (ليبرا) و يمشي به خطوات و كان مع ذلك شجاعا و محبا على نوع خصوصي للحرب و لا فتناء الاسلحة و الخيل الجياد و العساكر المنتظمة و هو اول من جند الاتراك و استعان بهم في الحرب