رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ٤٣٣ - «الاسكندرية»Alexandri Alexandrie
قطعني و مع وقوعه طال همي و شجي و قلّ نومي و سكني فارتحلت بالامس عن داري لا لقهر ملك جبار و لا لخوف جيش جرار و لا عن رغبة و لا عن صغار و لكن لتمام المقدار و انقطاع الآثار و سلطان العزيز الجبار فمن رأى اثري و عرف خبري و طول عمري و نفاد بصري و شدة حذري لا يغتر بالدنيا بعدي فانها غرّارة و غدارة تأخذ منه ما تعطي و تسترجع منه ما تؤاتي. و كلام كثير يري فناء الدنيا و يمنع من الاغترار بها و السكون اليها. فنزل الاسكندر مفكرا يتدبر هذا الكلام و يعبره و قيل انه دخل هيكلا عظيما كان لليونانيين فذبح فيه ذبائح كثيرة و سأل ربه ان يبين له امر هذه المدينة هل يتم بناؤها او ما يكون امرها فرأى في منامه كأن رجلا قد ظهر له من الهيكل و هو يقول له انك تبني مدينة يذهب صيتها في اقطار العالم و يسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم و تختلط الرياح الطيبة بهوائها و يثبت حكم اهلها و تصرف عنها السموم و الحر و تطوّى عنها قوة الحرّ و البرد و الزمهرير و يكتم عنها الشرور حتى لا يصيبها من الشياطين خبل و ان حلبت اليها ملوك الارض بجنودهم و حاصروها لم يدخل عليها ضرر فبعث يحشر الصناع من البلاد و خط الاساس و جعل طولها و عرضها اميالا و جمع اليها العمد و الرخام و اتته المراكب فيها انواع الرخام و انواع المرمر و الاحجار من جزيرة صقلية و بلاد افريقية و افريطش «كريت» و اقاصي بحر الروم ممايلى مصبه في بحر الاوقيانوس و حمل اليه أيضا من جزيرة رودوس فبناها و سماها الاسكندرية ثم رحل عنها بعد ما استتم بناءها فجال في الارض شرقا و غربا و في ٢٤ مايو (ايار) سنة ٣٢٣ قبل المسيح توفي هذا البطل الباسل بشهرزور و قيل ببابل «و هي الاصح» و سنه ٣٣ فنقلت جثته الى الاسكندرية فدفن فيها
و لم يكن للاسكندرية ما لا يشرب فحفرت قناة جرّ فيها ماء النهر الى المدينة و كانت المياء تجمع في مغائر مبنية في قلب الارض. و كان بناوءها من الامور العجيبة في الاسكندرية و يرى منها الآن ما قبته معضودة بصفين من الاعمدة الا انها مع تمادي الايام فقدت رونقها و ادارة تلك المغائر ليست منتظمة فلا تنظف جيدا و يصل اليها الماء بعد تنظيفها مختلطا بالاوحال و يرى فيها آنية و احيانا حيوانات منتنة و لها من اعلى فتحات مثل ابواب الآبار مرتفعة من الارض بضع اقدام و هي منافذ للغبار و الرمال و يطرح منها في المغائر عظام و اجياف بشرية فتفسد و تنتن. و من تلك المغائر ما يجعل على قبتها قبور و لذلك ترى ماءها؟؟؟ غير عذب و متى فاضت مياه القناة و دخلت