رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ٣٢٢ - «حصار الخرطوم»
و خلاصة الامر فاحجار السودان و رماله كادت تنطق بصوت واحد «صدق محمد احمد بدعواء» و كان الى ذلك الحين مقيما في الرهد فكتب اليه امراؤه من انحاء مختلفة ان ينزل برجاله الى النيل الابيض فكان يؤجل مسيره مظهرا الازدراء بقوة اعداءه و الاعتداد بقوته و يستعرض جنوده كل جمعة استعراضا عموميا يحضره هو بنفسه و الجيش اذ ذاك ثلاثة اقسام يرأس كل منهما خليفة من خلفائه. و لكن الخليفة عبد اللّه التعايشي كانت له الرياسة الكبرى و يلقب «رئيس الجيش» و فرقته تسمى «الراية الزرقاء» يتوب عنه في قيادتها اخوه يعقوب التعايشي. و فرقة الخليفة علي ولد الحلو تدعلى «الراية الخضراء» و فرقة الخليفة محمد الشريف تسمى «الراية الحمراء» او «راية الاشراف» و تحت كل من هذه الرايات الثلاث رايات صغيرة لا يحصى عددها يجتمع حول كل راية منها مئات من الدراويش
و كيفية الاستعراض عندهم ان يقف امراء الراية الزرقاء براياتهم صفا واحدا يولون وجوههم المشرق و يقف امراء الراية الخضراء صفا آخر يقابل الصف الاول وجها لوجه و يقف امراء راية الاشراف صفا آخر يقابل الشمال فيؤلفون مربعا بنقصه ضلع كأنه باب يدخل به المهدي و حاشيته فيمر بجانب الصفوف يحييها قائلا «اللّه يبارك فيكم»
فلما انقضى رمضان تلك السنة قال محمد احمد انه قد اوحي اليه في الرؤيا «الحضرة» ان ينزل لمحاصرة الخرطوم و امر رجاله بذلك
«حصار الخرطوم»
فزحفوا برجالهم و احمالهم و اثقالهم و دوابهم فضربوا نقارتهم و ساروا حتى اشرفوا على الخرطوم و سلاتين معهم فعسكروا هناك تحت راية التعايشي. و سار الامراء الآخرون يبحثون عن مكان آخر يعسكرون فيه. ثم امر المهدي ان يحدق جنده بالخرطوم و يشددو الحصار عليها فامر ابا جرجا و ولد النجومي ان يحاصراها برجالها من البر الشرقي للنيل الابيض عند مكان اسمه كلا كلا و امر ابا غنجة و فضل المولى ان يحاصرا طابية لم درمان على البر الغربي. و ما زالوا محاصرين تلك الطابية حتى فتحوها في ١٥ يناير سنة ١٨٨٥ و هي اول طابية فتحوها من حصون الخرطوم.
و يؤخذ من تقرير كتبه الشيخ المضوي احد قواد المهدي في ذلك الحصار ان المهدي كان عازما ان يشدد الحصار على الخرطوم حتى تسلم من الجوع كما فعل بالابيض و ان