رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ١١٧ - «تهاني الشعراء بالفتح»
فان الداوية بنوا في غربي الاقصى ابنية ليسكنوها و عملوا فيها ما يحتاجون اليه من هرى و مستراح و غير ذلك و ادخلوا بعض الاقصى في ابنيتهم فاعيد الى حاله الاول. و امر بتطهير المسجد و الصخرة من الاقذار و الانجاس ففعل ذلك اجمع. و لما كانت الجمعة الاخرى رابع شعبان صلى المسلمون فيه الجمعة و معهم صلاح الدين و صلى في قبة الصخرة و كان الخطيب و الامام محيي الدين ابن الزكي قاضي دمشق. ثم رتب فيه صلاح الدين خطيبا و اماما برسم الصلوات الخمس و امر ان يعمل له منبر فقيل له ان نور الدين محمودا كان قد عمل بحلب منبرا امر الصناع بالمبالغة في تحسينه و اتقانه و قال «هذا قد عملناه لينصب بالبيت المقدس» فعمله النجارون في عدة سنين لم يعمل في الاسلام مثله فامر باحضاره فحمل من حلب و نصب بالقدس و كان بين عمل المنبر و حمله ما يزيد على عشرين سنة
و لما فرغ صلاح الدين من صلاة الجمعة تقدم بعمارة المسجد الاقصى و استنفاد الوسع في تحسينه و ترصيفه و تدقيق نقوشه فاحضروا من الرخام الذي لا يوجد و من الفص المذهب القسطنطيني و غير ذلك مما يحتاجون اليه و قد ادخر على طول السنين. فشرعوا في عمارته و محوا ما كان في تلك الابنية من الصور. و كان الصليبيون فرشوا الرخام فوق الصخرة و غيبوها فامر بكشفها و كان سبب تغطيتها بالفرش ان القسيسين باعوا كثيرا منها للصليبيين الواردين اليهم من داخل البحر للزيارة فكانوا يشترونه بوزنه ذهبا رجاء بركتها و كان احدهم اذا دخل الى بلاده باليسير منها بنى له الكنيسة و جعله في مذبحها. فخاف ملوكهم ان تفنى فامربها و فرش فوقها حفظا لها. فلما كشفت نقل اليها صلاح الدين المصاحف و الربعات و رتب القراء و أدر عليهم الوظائف الكثيرة
«تهاني الشعراء بالفتح»
و كانت ليلة المعراج و كان يوم فخر لجيش المسلمين فتقاطر الشعراء من سائر الانحاء لتهنئة السلطان صلاح الدين بما اتاه اللّه من الفتح و نظموا القصائد و قالوا الخطب على الجماهير وسالت اقلام الكتاب و فاضت قرائحهم فكنت ترى فيهم اما خطيبا يبشر و يحرض و اما شاعرا يحمد اللّه و ممدح الفتح أو مؤرخا يذكر الحادثة بما فيها من الفخر لجيش المسلمين و كان من جملة من كتب القاضي الفاضل صاحب السيرة الايوبية و عماد الدين الاصبهاني. و ممن انشد في هذا الشأن عبد الرحمن بن بدر النابلسي فقال قصيدة منها:
هذا الذي كانت الاياه تنتظر* * * فليوف للّه اقوام بما نذروا
بمثل ذا الفتح لا و اللّه ما حكيت* * * في سالف الدهر اخبار و لا سير