بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٧١ - هل يستقر الحج على من شك في حصول مانع من أدائه الحج فلم يخرج إليه؟
متمكناً من تحصيل الموافقات الرسمية اللازمة للخروج من بلده والدخول في المملكة في الوقت المناسب لذلك، يُعدّ من حين حصوله على المال مستطيعاً للحج، أي أن الاستطاعة تنتزع من جملة أمور متفرقة في وعاء الزمان بتحقق أول واحد منها ولكن مشروطاً بتلاحق الأمور الأخرى، والأمر الأول للاستطاعة حسب المنظور العرفي هو الحصول على المال، فلو توفر ما يكفي لنفقة الحج وأحرز صاحبه تحقق سائر ما يتوقف عليه أداء الحج تدريجاً ــ كلٌّ في وقته ــ أحرز كونه مستطيعاً بالفعل.
ولا بد أن يحرز تلاحق الأمور الباقية بعلم أو علمي، وأما الاستصحاب فلا يجدي في المقام، لأن إثبات العنوان الانتزاعي بإجراء الأصل في منشأ انتزاعه يُعدّ من قبيل الأصل المثبت، وهو غير حجة، أي أن استصحاب بقاء الحياة أو الصحة مثلاً إلى آخر الأعمال مما لا يمكن أن تثبت به الاستطاعة على أداء الحج، لفرض أن الاستطاعة ليست هي عين الأمور المذكورة بل عنواناً منتزعاً منها، والاختلاف بين العنوان الانتزاعي ومنشأ انتزاعه يجعل من الاستصحاب في الثاني لإثبات الأول أصلاً مثبتاً فلا يعتمد عليه كما أفاده المحقق العراقي (قدس سره) .
هذا، ولكن يمكن أن يقال: إنه لا بد من البناء على لزوم الخروج إلى الحج في مفروض المسألة واستقرار وجوبه في الذمة على تقدير التخلف عن ذلك حتى لو بني على عدم وفاء الاستصحاب بإثبات ذلك، فإن هناك وجوهاً أخرى يمكن التمسك بها لهذا الأمر ..
الوجه الأول: أن احتمال طروّ المانع عن أداء الحج من تلف المال أو مفاجأة الموت أو الإصابة بالمرض أو التعرض للاعتقال وغير ذلك من العوائق والموانع مما يتطرق إلى أذهان معظم الناس، وقلّما يوجد شخص مطمئن باستمرار استطاعته إلى آخر مناسك الحج، فلو بُني على الاعتناء بهذا الاحتمال وبالتالي عدم لزوم التوجّه إلى الديار المقدسة من جهته لما وجب الحج على غالب من تتوفر لهم العناصر المعتبرة في الاستطاعة لمجرد احتمال فقدان بعضها في الأثناء، وهذا أمر على خلاف السيرة القطعية للمتشرعة، ولا يمكن الالتزام به