بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٦ - معنى الحج في الشرع
بقي على دين إبراهيم فإنهم كانوا يحجون إلى البيت الحرام، بل حتى المشركين كانوا يحجون إليه، وقد ورد في معتبرة أبي بصير عن أبي جعفر ٧ قال [١] : ((لم يزل بنو إسماعيل ولاة البيت، ((و)) يقيمون للناس حجهم وأمر دينهم. يتوارثونه كابر عن كابر حتى كان زمن عدنان بن أدد، فطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وأفسدوا، وأحدثوا في دينهم، وأخرج بعضهم بعضاً، فمنهم من خرج في طلب المعيشة، ومنهم من خرج كراهية القتال. وفي أيديهم أشياء كثيرة من الحنيفية من تحريم الأمهات والبنات وما حرم الله في النكاح، إلا أنهم كانوا يستحلون امرأة الأب، وابنة الأخت، والجمع بين الأختين. وكان في أيديهم الحج والتلبية والغسل من الجنابة، إلا ما أحدثوا في تلبيتهم وفي حجهم من الشرك. وكان فيما بين إسماعيل وعدنان بن أدد موسى ٧ )) .
والحاصل: أنه لا ينبغي الشك في أن الحج كان من الممارسات العبادية السائدة لدى قسم من العرب قبل مجيء الإسلام، ولا شك أيضاً في أنه كان يسمى بهذا الاسم أي (الحج)، فهذا اللفظ وبهذا المعنى كان معروفاً عند العرب قبل الإسلام، والشارع المقدس لم يحدث جديداً في هذا المجال فلا محل للقول بأن المعنى المعروف للحج هو معنى إسلامي.
نعم حكى بعض الباحثين [٢] عن بعض المستشرقين ــ منهم ولهوزن ــ أن بيوت الأرباب التي كان يحج إليها الجاهليون في شهر ذي الحجة كانت متعددة، ولم يكن الحج محصوراً في موضع واحد. بل كانوا يحجون إلى محجات أخرى فيحج كل قوم إلى البيت الذي قدسوه، مثل بيت اللات في الطائف، وبيت العزى على مقربة من عرفات، وبيت مناة، وبيت ذي الخرصة، وبيت نجران.
وعليه يمكن أن يقال: إن الحج قبل الإسلام لم يكن يطلق فقط على الحج إلى بيت الله، بل كان أعم من ذلك، فيكون إطلاقه على خصوص قصد بيت الله والإتيان بالمناسك عنده وقريباً منه في عرفات والمزدلفة ومنى أمراً مستجداً،
[١] الكافي ج:٤ ص:٢١٠ــ ٢١١.
[٢] المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج:٦ ص:٣٥١.