بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٨٢ - الوجوه العامة التي أُستدل بها على كفر منكر الضروري مطلقاً والمناقشة فيها
فإنه يقال: إنه لو سُلِّم عدم شمول الأحكام الشرعية للجاهل المركب ــ مع أنه خلاف التحقيق لما لعله سيأتي في موضع آخر ــ إلا أن ذلك لا يعفيه من العقاب من جهة تفويت الملاك، فإن سقوط الخطاب عنه لما كان بسوء اختياره فهو غير معذور في تفويت الملاك الكامن في متعلقه، ولذلك قالوا: إن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً، وإن كان ينافيه خطاباً. فهو وإن لم يمكن توجيه الخطاب له إلا أنه مع ذلك فهو معاقب على ارتكابه للمحرّم أو تركه للواجب، وجهله في هذا الحال ليس عذراً، فتأمل.
مضافاً إلى أنه قد ورد في موثقة مسعدة بن زياد [١] قال: سمعت جعفر بن محمد ٨ وقد سئل عن قول الله تعالى: ((فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)) . فقال: ((إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالماً؟ فإن قال: نعم. قال له: أفلا عملت بما علمت؟! وإن قال: كنت جاهلاً. قال له: أفلا تعلمت حتى تعمل؟! فيخصمه. وذلك الحجة البالغة)) . وهذه المعتبرة تشمل الجاهل المتردد والقاطع بالخلاف على حد سواء.
وكما أن الجهل قد لا يكون عذراً للمكلف ولا يعفيه من العقاب في حال المخالفة، كذلك الغفلة والنسيان فهو إذا كان عن إهمال وعدم اهتمام بالحكم الشرعي لا يكون عذراً ولا يعفى صاحبه من المؤاخذة، والجامع كون الجهل أو عدم الالتفات ناشئاً من تقصير المكلف لا أمراً طبيعياً.
ومن مصاديق ذلك ما يحصل لبعض من يتطفل على الاستدلال في علم الفقه، لأنه لم يتلق هذا العلم على وجهه، ولم يحسن مبادئه، فتستحكم الشبهة في ذهنه في صحة بعض الاستدلالات، فيؤدي ذلك به إلى القطع بخلاف الحكم الشرعي، أو يشك في الحكم فيرجع إلى أصالة البراءة. ومن هذا القبيل توهم بعضهم أن موضوع الحرمة في قوله تعالى [٢] : ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)) هو الزنا بالأمهات، وليس الزواج بهن. فاستحكام مثل هذه الشبهة يكون بتقصير
[١] أمالي المفيد ص:٢٢٧.
[٢] النساء: ٢٣.