بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٣ - الكلام حول تقسيم المعاصي إلى صغائر وكبائر
الثاني: أن وعد الله سبحانه وتعالى بالتجاوز عن الصغائر مع اجتناب الكبائر لا ينبغي أن يجرأ المكلف على ارتكاب الصغيرة، وذلك لأنه ليس بمأمن من ارتكاب الكبيرة في مستقبل أيامه، فإن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحمه الله تبارك وتعالى. فأنى يتيسر للمكلف أن يثق من نفسه بعدم ارتكاب شيء من الكبائر في مستقبل أيامه وفي باقي عمره، حتى يسمح لنفسه بارتكاب الصغيرة اعتماداً على الوعد الإلهي بالتجاوز عنها.
لا سيما أن قائمة الكبائر تشتمل على الكثير من المعاصي التي لا ينجو منها إلا الأوحدي من الناس في طول عمره من أمثال الغيبة والكذب والإسراف والتبذير وحبس الحقوق من غير عسر، ونحوها.
وبالجملة فإن الوعد المذكور لا ينبغي ــ لمن ينظر بعين البصيرة ويتحسب لعواقب الأمور ــ أن يخفف من زاجرية النهي عن الصغائر في نفسه، بل يلزم أن يبقى خائفاً من ارتكاب الصغيرة لاحتمال ابتلائه في يوم من الأيام بشيء من الكبائر، فلا يشمله الوعد الإلهي بالتجاوز عما ارتكبه من الصغائر.
وعلى هذا يتضح أن الوعد المذكور إذا لوحظ في جنب عدم إمكان الوثوق بالنفس بعدم ارتكابها شيئاً من الكبائر إلى آخر العمر من حيث كونها أمارة بالسوء ليس له تأثير في تخفيف زاجرية النهي عن الصغائر.
هذا ما خطر بالبال في الإجابة عن السؤال المذكور.
ولكن يستفاد من العلامة الطباطبائي (قدس سره) [١] الجواب عنه بوجهين آخرين، أحدهما نقضي والآخر حلي ..
فأفاد في الجواب الحلي قائلاً: (ارتكاب الصغيرة من جهة أنها صغيرة لا يعبأ بها ويتهاون في أمرها يعود مصداقاً من مصاديق الطغيان والاستهانة بأمر الله سبحانه، وهذا من أكبر الكبائر بل الآية تعد تكفير السيئات من جهة أنها سيئات لا يخلو الإنسان المخلوق على الضعف المبني على الجهالة من ارتكابها بغلبة الجهل والهوى عليه)، أي أن الوعد بالتجاوز عن السيئات إنما هو في مورد
[١] الميزان في تفسير القرآن ج:٤ ص:٣٢٥.