بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣١٠ - تحديد المراد بوجوب المقدمة شرعاً
ناحية حكم العقل بذلك.
وثانياً: أن البيان المذكور يبتني على إحراز عدم دخل القدرة ــ في مقابل العجز الناشئ من ترك المقدمة المفوتة ــ في الملاك الملزم الكامن في الواجب، وهذا ما لا يتيسر إحرازه إلا بقيام دليل عليه من جهة الشرع الشريف، إذ ليس للعقل ــ في حدِّ ذاته ــ سبيل إلى إدراك عدم دخالة القدرة في ملاكات الأحكام الشرعية في شيء من الموارد.
وفي مورد الصيام يمكن أن يقال: إن المستفاد مما دلَّ على ثبوت القضاء والكفارة على من تعمد البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر في شهر رمضان هو كون البقاء على حدث الجنابة متعمداً مستوجباً لفوات الملاك الملزم الكامن في صيام شهر رمضان عن طهارة، مما يقتضي عدم دخل القدرة في الملاك المذكور.
وأما في مورد الحج فما هو الدليل على أن عدم الإتيان بالمقدمة المفوتة ــ كتحصيل جواز السفر مثلاً ــ قبل حلول أشهر الحج يكون موجباً لفوات الملاك الكامن في حجة الإسلام؟ بل لعله لا ملاك لها في الفرض المذكور.
ومع الشك لا يبقى مجال لدعوى لزوم الإتيان بالمقدمة لئلا يفوت الملاك المولوي الملزم الكامن في الحج، كما هو واضح.
هذا ولكن يمكن أن يقال: إن مقتضى بعض الروايات أن ما عدا الاستطاعة البدنية والمالية والسربية مما لا دخل له في الملاك الملزم للحج، فمن يترك أداء الحج لسبب آخر غير عدم الاستطاعة يفوته ملاكه وإن كان هو بترك مقدمته المفوتة.
والرواية الدالة على هذا المعنى هي صحيح ذريح المحاربي [١] عن أبي عبد الله ٧ قال: ((من مات ولم يحج حجة الإسلام، ما يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق معه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياً)) .
فإن مقتضى إطلاق هذه الصحيحة كون المستطيع التارك للحج مستحقاً
[١] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٤٦٢.