بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٩٨ - الوجوه التي أُستدل بها على كونه من الكبائر والمناقشة فيها
ويؤنب نفسه على التأخير في أدائه ولكنه مع ذلك يؤخره لما ذكر. كما هو الحال في الصلاة فإن بعضهم يؤخرها عن أول الوقت ولا يعدّ ذلك استخفافاً منه بها لانشغاله ببعض الضرورات العرفية، في حين يؤخرها آخرون انشغالاً بأمور باطلة حتى بمقتضى المقاصد العقلائية، فيُعدّ ذلك استخفافاً منهم بالصلاة.
والحاصل: أنه لا سبيل إلى البناء على أن تأخير الحج عن عام الاستطاعة يعدّ استخفافاً به بقول مطلق، فهذا الوجه لو تم في حدِّ ذاته فهو أخص من المدعى، ولا يصح أن يكون الدليل كذلك.
الوجه الثالث: صحيحة معاوية بن عمار قال [١] : ((سألت أبا عبد الله ٧ عن رجل له مال ولم يحج قط؟ قال: هو ممن قال الله تعالى: ((وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)) قال: قلت: سبحان الله، أعمى؟! قال: أعماه الله عن طريق الجنة)) .
وتقريب الاستدلال بها: أن مقتضى ما ورد في ذيل الآية الكريمة أي قوله تعالى [٢] : ((وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى)) هو أن الأعمى المذكور في الصدر يعاقب في الدار الآخرة بالنار وهو المراد بالعذاب الأشد والأبقى كما هو واضح.
وحيث إن مفاد الرواية هو أن من لا يأتي بالحج وله مال يكون ممن يحشر يوم القيامة أعمى من غير تقييد بكون تركه له مستمراً إلى آخر العمر كان مقتضى ذلك هو أن التأخير في أداء الحج مما أوعد الله عليه بالنار، فيكون لذلك من الكبائر حسب الضابط المذكور لها في الروايات كما تقدم.
ولكن مرَّ في بحث سابق أن من المطمأن به وقوع سقط في متن الرواية المذكورة وأن المقصود خصوص من لم يحج وعنده مال إلى أن مات، كما ورد ذلك في روايات أخرى ــ مشابهة للرواية المذكورة في مضمونها ــ كرواية أبي بصير ورواية محمد بن فضيل، فليلاحظ.
[١] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:١٨.
[٢] طه: ١٢٧.