بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٠٨ - مواقف القائلين بعدم استفادة وجوب الحج في كل عام من روايات الجدة
وهذا الاعتراض ليس على أصل ما ذكره (قدس سره) في معنى هذه الروايات، بل على ما أشير إليه في هذا التقرير [١] من كون النسيء المعمول به عند أهل الجاهلية مبنياً على حساب السنة بالأشهر الشمسية، فيزيد عدد أيامها على السنة القمرية بأحد عشر يوماً، ونتيجة لتوالي الزيادات تتداخل بعض السنوات القمرية، فكانوا يتركون الحج في بعضها من أجل ذلك.
وحاصل الاعتراض: أن النسيء الذي كان متعارفاً عند أهل الجاهلية لم يكن إلا بتغيير مكان بعض الأشهر القمرية التي هي من الأشهر الحرم لكي يحِّل لهم القتال فيه، كجعل شهر صفر محل شهر محرم ونحو ذلك مما كان يؤدي أحياناً إلى خلو السنة من شهر ذي الحجة الذي هو موسم الحج، ولم يكن نسيئهم من جهة حساب السنة بالأشهر الشمسية فإنها لم تكن معروفة عندهم.
وهذا الاعتراض ليس تاماً، ويظهر ذلك بالرجوع إلى كتب التاريخ، قال بعض الباحثين [٢] : (ذُكر أن نسيء العرب كان على ضربين: أحدهما تأخير شهر المحرم إلى صفر، لحاجتهم إلى شن الغارات وطلب الثارات. والآخر تأخير الحج عن وقته تحرياً منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخرونه في كل عام أحد عشر يوماً حتى يدور الدور فيه إلى ثلاث وثلاثين سنة فيعود إلى وقته .. وتسمى الطريقة الثانية وهي إضافة فرق الأيام بين السنتين الشمسية والقمرية إلى السنة القمرية (الكبس) في اصطلاح العلماء).
والغرض من هذه العملية هو تلافي النقص الكائن بين السنتين، ولتكون الشهور القمرية بذلك ثابتة في مواسمها المعينة، فلا يقع حادث في شهر من شهورها شتاءً ثم يتحول بمرور السنين فيقع بعد أمد في الصيف أو في الربيع، كما
[١] الملاحظ خلو التقرير الآخر (مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:١ ص:١٨) عن العبارة المذكورة، حيث اقتصر فيه على أن مفاد هذه الروايات هو أن وجوب الحج لا يختص بعام دون عام، بل هو ثابت في جميع السنين والأعوام طعناً على ما كان متداولاً في زمن الجاهلية من عدم التقيّد به وتركه في بعض السنين على ما يشير إليه قوله تعالى: [إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً].
[٢] المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج:٨ ص:٤٩٢.