بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٠١ - الكلام في إمكان حمل الروايات الدالة على وجوب الحج على أهل الجدة في كل عام على الوجوب الكفائي
يظهر لي وجهها.
هذا في آية التقصير.
وأما في المقام وهو آية الحج فدعوى استفادة الوجوبين العيني والكفائي منها أبعد من الصواب، ولكن رأيت لبعضهم كلاماً غريباً في تقريب دلالتها على ثبوت حكمين في الحج، قال فيه [١] : (إن الآية الشريفة تفيد مطلوبين: أحدهما على العموم، وثانيهما على المستطيع ــ أي البالغ الحر مثلاً ــ وتكون هكذا: لله على الناس حج البيت، وليحج من استطاع إليه سبيلاً، والأول بنحو الجعل في الذمة، والثاني إيجاب تفريغها على طائفة، ولعله لأجله أضاف المصدر إلى المفعول به مع وجود الفاعل في الكلام، مع أن أهل الأدب منعوا عن ذلك، وأجابوا ــ على ما ببالي ــ بمثله، ولو كان الأمر كما ذكر فهو لإيراث تلك النكتة المؤيدة بالسنة).
توضيحه: أن إضافة الحج إلى (البيت) أي المفعول به مع وجود الفاعل أي (من استطاع) ممنوع في النحو،ولذلك التجأ النحاة إلى توجيهه بالقول بأن (من استطاع) ليس فاعلاً للمصدر، بل الفاعل ضمير مستتر، و(من استطاع) فاعل لفعل مقدر، فيكون التقدير: ليحج من استطاع إليه سبيلاً.
وعلى ذلك فيستفاد من الآية الكريمة حكمان: الوجوب الكفائي من قوله تعالى: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)) ، والوجوب العيني من قوله تعالى: ((مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)) .
ولكن ما نقله عن النحاة غير صحيح فقد قال ابن عقيل [٢] : (إن المصدر يضاف إلى الفاعل فيجّره ثم ينصب المفعول، نحو: عجبت من شرب زيدٍ العسل، ويضاف إلى المفعول ثم يرفع الفاعل نحو: عجبت من شرب العسلِ زيدٌ .. وليس هذا الثاني مخصوصاً بالضرورة خلافاً لبعضهم. وجعل منه قوله تعالى: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)) فأعرب (من) فاعلاً بحج،
[١] العوائد والفوائد ص:١٦ــ١٧.
[٢] شرح الألفية ج:٢ ص:١٠٢ــ١٠٣.