بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٦٥ - هل يمكن حمل الروايات المذكورة على الوجوب الكفائي؟
غاية الأمر أنه لما كان مطلوب المولى تحقق أصل الطبيعة من غير أن يكون لصدورها عن هذا الفاعل أو عن ذلك دخالة في الغرض، وكان كل واحد من المكلفين قادراً على إيجاد هذه الطبيعة، فلا محالة يتوجه طلبه إلى كل واحد واحد منهم لعدم خصوصية موجبة للتخصيص بواحد منهم، ومعه يكون التخصيص ترجيحاً بلا مرجح.
وبالجملة التكليف يتوجه إلى كل واحد منهم مستقلاً، ولكن ما كلف به كل واحد منهم عبارة عن أصل الطبيعة غير المقيدة بصدورها عن نفسه، فالمكلفون متعددون وكل واحد منهم توجه إليه التكليف مستقلاً، ولكن المطلوب والمكلف به في جميع هذه التكاليف أمر واحد أعني به الطبيعة المطلقة).
وذكر سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته) في توضيح هذا المسلك: أن في حقيقة الوجوب مسلكين رئيسين: مسلك أن الوجوب هو من قبيل البعث ــ أو ما هو بمعناه ــ نحو الفعل، ومسلك أنه من قبيل وضع الشيء على ذمة المكلف. وعلى المسلك الأول لا إشكال في إمكانية بعث كل واحد من المكلفين إلى إيجاد تلك الطبيعة المطلقة غير المقيدة بصدورها عن أيّ واحد منهم، وأما على المسلك الثاني فقد يستشكل بأنه كيف يكون شيء واحد على ذمم أشخاص متعددين، أي كيف يمكن أن يوجد الشيء الواحد في أماكن متعددة؟
والجواب عنه ظاهر، وهو أن عدم إمكان تواجد الشيء في أكثر من مكان إنما هو في الأمور المادية الخارجية لا في الأمور الاعتبارية، والذمة وعاء اعتباري، ووضع الشيء عليها ليس أيضاً إلا اعتباراً محضاً، فلا مانع إذاً من اعتبار الشيء نفسه على ذمة أكثر من واحد، فإن الاعتبار خفيف المؤنة ولا تلحقه أحكام الأمور التكوينية.
ولهذا التزم الفقهاء في باب تعاقب الأيدي بأن العين المضمونة إذا كانت باقية فهي تكون في عهدة جميع الأيدي المتعاقبة، أما إذا كانت تالفة فيكون بدلها على ذمة الجميع. والفرق بين العهدة والذمة أن الأولى هي وعاء الوجود الاعتباري للأعيان الخارجية، والثانية هي وعاء الوجود الاعتباري لغيرها