التربية الروحية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٥ - آثار التقوى في الدنيا
وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح لله عزّت آلاؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذات عقولهم، فاستصحبوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة، يذكّرون بأيام الله، ويخوّفون مقامه، بمنزلة الأدلّة في الفلوات. من أَخَذ القصد حمدوا إليه طريقه، وبشّروه بالنجاة، ومن أخذ يميناً وشمالًا ذمّوا إليه الطريق، وحذّروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلّة تلك الشبهات.
وإنّ للذكر لأهلًا آخذوه من الدنيا بدلًا، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيّام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون
عنه. فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنّما اطّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحقّقت القيامة عليهم عِداتها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا، حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون.
فلو مثّلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة، ومجالسهم المشهودة، وقد نشروا دواوين أعمالهم، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصّروا عنها، أو نهوا عنها ففرّطوا فيها، وحمّلوا ثقل أوزراهم ظهورَهم، فضعفوا عن الاستقلال بها، فنشجوا نشيجاً، وتجاوبوا نحيباً، يعجّون إلى ربّهم من مقام ندم واعتراف، لرأيت أعلام هدى، ومصابيح دُجى، قد حفّت بهم الملائكة، وتنزّلت عليهم السكينة، وفُتحت لهم أبواب