التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٣ - القرآن في تشريعاته الراقية
فهذه المسألة لاتفلح فيها التشريعات القانونية، ولا الرقابة الظاهرية كلا، لا يفلح فيها إلّا أمر واحد وهو التقوى من اللّه، فهي التي تكفل الرقابة الداخلية على الضمائر، فتصبح للتشريع قيمته وأثره.
كما وقع بعد نزول هذه الآيات، إذ بلغ التحرّج من الأوصياء أن يعزلوا مال اليتيم عن أموالهم، ويعزلوا طعامهم عن طعامهم، مبالغةً في التحرّج والتوقّي من الوقوع في الذنب العظيم.
إنّ هذه الأرض لاتصلح بالتشريعات والتنظيمات مالم يكن هناك رقابة من التقوى في الضمير لتنفيذ التشريعات والتنظيمات. وهذه التقوى لاتجيش- تجاه التشريعات والتنظيمات- إلّا حين تكون صادرة من الجهة المطّلعة على السرائر، الرقيبة على الضمائر، عندئذٍ يحسّ الفرد- وهو يهمّ بانتهاك حرمة القانون- أنّه يخون اللّه ويعصي أمره ويصادم إرادته! وأنّ اللّه مطّلع على إرادته وعلى نيّته هذه وعلى فعله وعمله هذا، وعندئذٍ تتزلزل أقدامه وترتجف مفاصله وتجيش تقواه.
إنّ اللّه أعلم بعباده وأعرف بفطرتهم وأخبر بتكوينهم النفسي والعصبي- وهو خلقهم- ومن ثمّ جعل التشريع تشريعه والقانون قانونه والنظام نظامه والمنهج منهجه، ليكون له في القلوب وزنه وأثره ومخافته ومهابته، وقد علم سبحانه أنّه لايُطاع أبدا شرع لا يرتكن إلى هذه الجهة التي تخشاها وترجوها القلوب، وتعرف أنّها مطّلعة على خفايا السرائر وخبايا القلوب. وأنّه مهما أطاع العبيد تشريع العبيد تحت تأثير البطش والإرهاب والرقابة الظاهرية التي لاتطّلع على الأفئدة فإنّهم متفلّتون منها كلّما غافلوا الرقابة، وكلّما واتتهم الحيلة مع شعورهم دائما بالقهر والكبت والتهيّؤ للانتقاض.
«وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ...».
وهكذا تمسّ اللمسة الاولى شغاف القلوب، قلوب الآباء المرهفة الحسّاسة تجاه ذرّيتهم الصغار. بتصوّر ذرّيتهم الضعاف مكسوري الجناح، لا راحم لهم و لا عاصم، كي يعطفهم هذا التصوّر على اليتامى الذين وكّلت إليهم أقدارهم، بعد أن فقدوا الآباء. فهم لايدرون أن تكون ذرّيتهم غدا موكولة إلى من بعدهم من الأحياء، كما وكّلت إليهم أقدار