التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦١ - القرآن في تشريعاته الراقية
إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً».[١] وله العفو عن القصاص تنازلًا إلى الدية، وهذا تخفيف من اللّه ورحمةٌ بالعباد.
والنكتة هنا أنّه تعالى جعل العفو منسوبا إلى الأخ، وقد عبّر عن وليّ الدم- وهو الثائر بأحاسيسه دفاعا عن حقّ المقتول- بالأخ الكريم، إثارة لعواطفه الإنسانية النبيلة، فلايثور مثار العدوّ اللدود، وإنّما هوأخٌ وابن أخٍ كريم. ثمّ لا يذهب عن القاتل، أنّ الذي عفا عنه إنّما هو أخوه وإنّما عفا عنه لمكان أُخوّته، فلا يجفونّ بشأنه في أداء الدية إليه بإحسان. كما لا يَجفو وليّ الدم في مطالبة الدية، وإنّما يطالبه عن رفق ومداراة، لأنّه إنّما عفا عنه لأنّه أخوه.
فهنا جاءت قضية الاخوّة الإنسانية فضلًا عن الاخوّة الإسلامية، هي الفاصلة في الأمر والمستدعية لانتهاء الأمر بسلام، فلا خصومة بعد ذلك ولا تجافي عن الحقوق.
والقرآن في هذا المجال كأنّما أخذ موضع الحياد من القضية، وإنّما أوكلها إلى جانب من حياة الإنسان الرقيقة، هي جانب اخوّته وكرامته وفضيلته، فهو الذي يحدو به إلى هذا المجال من الكرامة الإنسانية النبيلة وإن كان القرآن هو الذي أثار فيه هذه العاطفة، وساقه إلى هذا السبيل الرشيد.
فمتى قبل وليّ الدم الدية بدل القصاص ورضيه فيجب إذا أن يطلبه بمعروف ورضا ومودّة. ويجب على القاتل أن يؤدّيه بإحسانٍ وإجمالٍ وإكمال، تحقيقا لصفاء القلوب وشفاءً لجراح النفوس، وتقويةً لأواصر الأُخوّة بين البقية الأحياء.
*** وقال بشأن اليتامى:
«وَ آتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً- إلى قوله:- وَ ابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَ بِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ
[١] - الإسراء ٣٣: ١٧.