التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣ - ما هي الحياة؟
والمادّة ليست مبتكرة، أمّا الحياة فإنّها تأتي إلى الوجود بتصميمات وتكوينات جديدة رائعة.
وبدون الحياة كان سطح الأرض يصير صحراء شاسعة مجدبة، وفضاء من ماء غير نافع.
وبدون الحياة تكون المادّة جامدة، ومتى تركتها الحياة عادت مجرّد مادّة، ولكن تبقى لها القدرة على مواصلة حياة مخلوقات اخرى، وبذا تخلد الحياة في الكائنات الحيّة.
وأمّا ما هي الحياة، فذلك مالم يدره إنسان بعد، فليس للحياة وزن ولاحجم.[١]
والحياة ذات قوّة، لأنّ الجذر النامي يقدر أن يشقّ صخرة. والحياة تنشىء شجرة عظيمة وتحفظها من الجاذبية مدّة ألف سنة أو تزيد. وهي ترفع أطنان الماء من الأرض كلّ يوم، وتنشىء ورق الشجر والفواكه، وأقدم كائن حيّ هو شجرة يرجع عهدها إلى خمسة آلاف سنة، وهي لاتعدو كونها لحظة في الأبدية. والحياة الفردية عابرة. والحياة هي المسؤولة عن كلّ حركة لكلّ كائن حيّ. وكلّ هذه الطاقة تقريباً تأتي عن طريق الشمس.
والحياة لاتقدر أن تستمرّ في المادّة التي تكون في حدود ضيّقة، بالغة الحرارة أو البرودة، لأنّ هاتين تقضيان على ظروف المادّة التي تتوقّف عليها الحياة. فإنّ الحياة لم تظهر على هذه الأرض إلّا حين كانت الظروف موائمة لها، وستقطع نشاطها حين يحدث تغيير ملحوظ في تلك الظروف[٢] غير أنّ الظروف الحالية قد وجدت واستمرّت منذ ثلاثمائة مليون سنة على الأقل.
والطبيعة لمتخلق الحياة، فإنّ الصخور التي حرقتها النار والبحار الخالية من الملح لم تتوافر فيها الشروط اللازمة. وهل احتضنت الحياة هذه الأرض والكرات الأرضية
[١] - قال اللّه تعالى في كتابه الكريم:« وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» الإسراء ٨٥: ١٧.
[٢] - قال تعالى:« إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ. وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ. وَ إِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ. وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ. عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ». الانفطار ١: ٨٢- ٥.