التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥ - كيف بدأت الحياة؟
الكيموية والماء والوقت. ويرى البعض الآخر النظام ماثلًا في كلّ جانب فسيح من الحياة إذ تمضي قُدماً من منبعها إلى هدفها- سواء أكانت ستصبح حيواناً رخَوا أم إنساناً- دون أن تعبر الفجوة مرّةً اخرى.
والآن لنعالج الموضوع بشعور من الإجلال، لاتحدّه الحدود الدقيقة التي تفرضها العقائد الدينية، أو الحقائق العلمية بشأن سبب الحياة ومصدرها، ولنصوّر لأنفسنا الوقائع المعترف بها. وبذا يمكننا أن نحكم، وأمامنا الموضوع كاملًا. وبهذه الطريقة يمكننا أن نعلم إن كنتُ أنا أو أنت مجرّد مجموعة عرضية من المادّة، تولّدت عن الكيمويات والماء والوقت، أولًا.
انظر إلى الشيء الهامّ الوحيد؛ إنّه أهمّ من الأرض نفسها ومن الكون كلّه وأهمّ من كلّ شيء آخر- ما عدا الخالق المدبّر الذي كان السبب في وجود ذلك الشيء- وأعني تلك النقطة من النطفة (البروتوبلازم)[١] التي لاتكاد تُرى، وهي شفّافة لزجة (كالجيلاتين) قادرة على الحركة، تستمدّ نشاطها من الشمس وهي بالفعل كفء لاستخدام ضوء الشمس في عزل ثاني اوكسيد الكربون من الهواء، مرغمة الذرّات على الانفصال، قابضة على الهيدروجين من الماء، ومنتجة لهيدرونات الكربون، وبذا تعدّ غذاءها بنفسها من أحد المركّبات الكيموية العنيدة للغاية.
إنّ هذه الحلبة الفريدة- هذه النقطة الصغيرة الشفّافة التي تشبه الطلّ- تحتوي في نفسها على جرثومة الحياة، وبها القدرة على توزيع هذه الحياة على كلّ كائن حيّ، كبيرا كان أو صغيرا، وعلى مطابقة كلّ مخلوق لبيئته حيثما يمكن وجود الحياة، من قاع المحيط إلى السماء. وقد صاغ الزمن والبيئة شكل كلّ كائن حيّ بحيث يتّفق مع أنواع الظروف المتعدّدة. وعندما تكوّن هذه الكائنات الحيّة شخصيّتها الفردية فإنّها تكون قد ضحت ببعض مرونتها و قابليتها للتغيّر، وأصبحت مخصّصة وثابتة، وقد فقدت القدرة
[١] - البروتوبلازم هي المادة الزلالية الحيّة التي تتكوّن منها خليّة الأجسام النباتية والحيوانية، وقد رأينا أن نترجمها بكلمة« النطفة».