التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤ - هل وقع التحدي بالجانب العلمي؟
بالذات. ولاشكّ أن تحدّياً موجّهاً إلى العرب يومذاك لايعني سوى جانب البيان الذي فاق أساليب العرب وأعجزهم عن أن يأتوا بمثله.
غير أنّ تحدّي القرآن لم يقتصر على فترة من الزمان ولا على امّة من الناس دون من سواهم. فنراه وجّه نداءه الصارخ إلى البشريّة جمعاء في طول الزمان وعرضه، ولكلّ الأجيال ومختلف الأقوام، وما شأنه ذلك لايعقل اقتصاره على جانب الفصاحة والبيان، إذ ليس كلّ الناس عرباً ولاكلّ العرب فصحاء. فلابدّ أنّ في القرآن شيئاً هو الّذي تُحُدِّيَ به تحدّياً على وجه العموم، ومن ثمّ كان بمجموع الكتاب، لابسورة واحدة أو آية أو آيات بالذات.[١]
قال تعالى: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً».[٢]
فهذا تحدّ عامّ وقع موجّهاً إلى كافّة الأنام، سواء من عاصر نزول القرآن أو سائر الأيّام.
*** وبعد، فإليك بعض ما وصلت إليه أفهام البشريّة حسب ما وصلت إليه من العلوم الطبيعية المقطوع بها تقريباً، وكان ذلك دليلًا على معجزة القرآن الخارقة للعادة، في يوم كان سرّ هذه العلوم والآراء النظريّة، مكتوماً على البشرية يومذاك، وأصبح اليوم مكشوفاً، وسيكتشف حسب مرّ الأيّام.
[١] - ذهب الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور إلى أنّ الإعجاز العلمي حاصل بمجموع القرآن، وهو إعجاز حاصل من القرآن، وغير واقع به التحدّي إلّا إشارة. التفسير العلمي، ص ١٣٣، هامش رقم ١.
[٢] - الإسراء ٨٨: ١٧.