التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٧ - لمحة خاطفة عن بناية التشريع الإسلامي في ضوء النظرية القرآنية
لمدخلية ذلك أصلًا في انضباط الإنسان داخل المجتمع بلحاظ أنّه مالم ينفتح وجدانه على القواعد القانونية لايتحقّق تفاعله الإيجابي معها. لاحظ قوله تعالى: «وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ».[١] فالتفكير الصحيح يقود إلى الاستنتاج الصحيح، والاستنتاج الصحيح يقود إلى الاعتقاد السليم، والاعتقاد السليم يقود إلى الانقياد إلى الحقّ، وفيه السلامة والنجاة.
ويتّجه القرآن الكريم بعد ذلك إلى ضبط الفعّاليات داخل نطاق الاسرة بصفتها «الوحدة الاجتماعية المصغّرة»، بلحاظ أنّ الاسرة تمثّل بيئة الإنسان ومهدِهِ وأجواء تنشئته، وهو ينشدُّ إليها لأكثر من اعتبار.
لقد كان تدخّل القرآن الكريم في تنظيم العلاقات وتقنينها داخل نطاق الاسرة تدخّلًا واسعا وتفصيليا، إذ أخضعها إليه تكوينا وصياغةً وإنشاءً، وأحكمها وفق ضوابط معيّنة، وحدَّد بدقّةٍ الحقوق والواجبات حفاظا عليها من الانحلال، آخذا بنظر الاعتبار طبيعة الإنسان، وما يمكن أن يحدث من إشكاليات، ومايحتمل من طوارئ بما في ذلك انحلال الزواج و ما قد ينشأ عنه من آثار تستدعي المعالجة الحاسمة، فقال تعالى مثلًا:
«أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ».[٢]
ثمّ نجدُ القرآن الكريم بعد إنجاز هذه المهمّة يتّجه إلى ضبط الفعّاليّات الاجتماعية المتنوّعة بتقنين العلاقات المختلفة الناشئة من الأنشطة الاقتصادية أو غيرها، وما ينشأ أيضا من التزامات بحكم الفعل والتصرّف.
ومن هنا نجدُ العناية بالحقوق الخاصّة والعامّة، وإذا كان هذا مايمكن ملاحظته وتسجيله من خلال عملية استقراء لمقاصدَ القرآن وأهدافه وغاياته، وما يمكن تلمّسه بوضوح في مواد كثيرة- كما سيتّضح- فكلّ ذلك يُشكّل في نظرنا الملامح العامّة لاتجاهات التقنين في القرآن الكريم.
إنَّ المعالم الأساسية أو الهيكل العامّ للنظرية القرآنية يمكن تصويره كما يأتي: يبدأ
[١] - آل عمران ١٩١: ٣.
[٢] - الطلاق ٦: ٦٥.