التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٦ - لمحة خاطفة عن بناية التشريع الإسلامي في ضوء النظرية القرآنية
عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ».[١]
ويظهر هنا أنّ القرآن الكريم قد شخّص الحقيقة الموضوعية القائلة بأنّ الإنسان بصفته خاضعا لظروف الزمان والمكان، وينبعث دائما في تقييماته و آرائه من نزعاته و أهوائه لذلك. فمن الطبيعي سيادة حالة التظالم والخصومات والاعتداء، كما أشار إلى ذلك القرآن قائلًا: «قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ».[٢]
واستنادا إلى ذلك فالإنسان عندما يتصدّى لوضع القواعد القانونية سيكون تحت تأثير تلك النزعات و الأهواء، ومن هنا اتّجه القرآن الكريم إلى بيان الشريعة العامّة، وتكفّل بتحديد القواعد والمبادئ والأحكام العادلة والملائمة للإنسان، كما نبّه إلى ذلك في قوله تعالى: «ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ»،[٣] ولقد تضمّنت تلك القواعد والأحكام الحلول والمعالجات لإشكاليات الحياة الإنسانية، كما أنّها وفت بحاجات الإنسان الروحية والماديّة على حدٍّ سواء.
إنَّ الهدف من هذه الدراسة هو الكشف عن التصوّر القرآني العامّ- أي نظرية القرآن- في تقنين المجتمع، وذلك بتحديد الاسس والمنطلقات التي تقوم عليها النظرية. ثمّ تبيّن الجوانب الأساسية فيها من القواعد الملزمة في نطاق الاسرة، بصفتها المجتمع المصغّر، وفي ميدان الفعّاليات والعلاقات بين أفراد المجتمع.
*** إنَّ القرآن الكريم في نظريته لتقنين المجتمع ينطلق أولًا من حقيقةٍ مفادها أنّ تغيير المجتمع الإنساني وتطويره باتّجاه الكمال والرقيّ والصلاح لايتحقّق مالم يتمّ تغيير المحتوى الداخلي للإنسان، فكرا ونفسيةً وقناعاتٍ وسلوكا، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ»،[٤] والتغيير هنا أشمل وأعمّ.
واستنادا إلى ذلك يتّجه القرآن الكريم في إطار تقنين المجتمع إلى وضع المنهج الشامل لضبط التفكير والفعّاليات العقلية، وهذا له أولويته في التصوّر القرآني- كما نعتقد-
[١] - البقرة ٣٨: ٢.
[٢] - الأعراف ٢٤: ٧.
[٣] - الجاثية ١٨: ٤٥.
[٤] - الرعد ١١: ١٣.