التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٨ - عوامل ثلاثة لنزول المطر
مكان إلى مكان، فإذا جمعت الرياح بين نوعين من الكهربائية ذوات الموجبة وذوات السالبة فعند ذلك تتجاذب بعضها إلى بعض وتتقارب وتتآلف، وبذلك يحصل اللقاح الناتج للإمطار. «وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَ ما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ».[١]
ياترى من ذا كان يعرف هذه الظاهرة الطبيعية يومذاك؟! أن تقوم الرياح الباردة فتثير سحابا، وهي تدفع السحب المكهربة إلى لقاء بعضها مع بعض، وتلقى بالسحابة السالبة التكهرب بين أذرع سحابة اخرى موجبة التكهرب، وبذلك يحدث عملية اللقاح، الناتجة للبرق والرعد ونزول المطر الغزير، فيخصب الأرض ويمهّدها للإنبات، وهي عملية اخرى للّقاح في التربة الصالحة، بين الماء والأرض.[٢]
(ثالثا) التكاثف، وهو عكس عملية التبخّر، ليتحوّل بخار الماء من الحالة الغازية إلى حالة السيلان، فتنقلب ذرّات البخار إلى قطرات مائية دقيقة، إذا كانت درجة الحرارة فوق الصفر المئوي، أو حالة جليدية بَرَدا أو ثلجا، إذا كانت درجة الحرارة تحت الصفر، الأمر الذي يعجز الهواء عن حمله، فتتساقط القطرات مطرا.
وهذا التكاثف إنّما يحدث إذا ما تصاعد الهواء المتشبّع ببخار الماء في طبقات جوّية ذات الضغط الأعظم، فبأثر الضغط العالي يتمدّد الهواء ويفقد جزءً كبيرا من حرارته، وبذلك يبرد وتنخفض درجة حرارته، درجةً واحدةً مئويّةً كلّما ارتفع ١٧٠ مترا.
غير أنّ هذه النسبة تطّرد حتّى ارتفاع ٥ كيلومترات عن سطح البحر. وبعده تتغيّر هذه
[١] - الحجر ٢٢: ١٥.
[٢] - فيكون تلقيح من نوع ثالث هذه المرّة. تلقيح بالمعنى الحرفي للآية الكريمة.
فنحن أمام كلمة صادقة مجازا كما حمله المفسّرون القدامى، وصادقة حرفيا كما أثبته العلم متأخّرا. وعلى أيّ صورة قلّبتها فهي تصدق معك، وهي بعدُ كلمة جديدة وغريبة، وصفة مبتكرة حينما توصف بها الرياح!
وهي بعدُ من الناحية الجمالية الإيقاعية ذروة، وفي النطق بها عذبة:« وأرسلنا الرياح لواقح» تنطقها وتلوكها في فمك، فتستوقف السمع وتطرب الاذن.
وكلّ هذا العلم التفصيلي في تكهرب السحاب وانتقال حبوب اللقاح لم يكن معلوما أيّام نزول الآية، فتدبّر.