التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٠ - الرجع والصدع وأثرهما الهائل في تكييف الحياة
والأرض تنصدع ليخرج منها النبات ونافورات الغاز الطبيعي والبترول وينابيع المياه الكبريتية ونفث البراكين، وتنصدع مع كلّ هزّة زلزالية.
إنّا مرّةً بعد اخرى نجد أنفسنا أمام ألفاط دقيقة، جامعة في معانيها، ومختارة بدقّة، ومصفوفة بإحكام.
وإنّها علمٌ إلهيّ نافذ إلى أعماق الطبيعة، وليست علما بشريا مقصورا على مظاهر الكون دون الوصول إلى أسرارها الكامنة.
فنحن أمام دقّةٍ وإعجاز وعلمٍ شامل.
*** ومعنى آخر لعلّه أدقّ وأنسب لما بين صدع الأرض ورجع السماء من رابطة طبيعية، وهو أن يكون المراد- واللّه العالم- تراجع السماء في دورة الفلك السنوية، بسبب انحراف محور الأرض في دورتها حول الشمس قليلًا عن العمود على مستوى فلكها (مدارها) ويكون انحرافه بزاوية قدرها (٥/ ٢٣ درجة) ولذلك تأثير على تغيّر مناخ الأرض بنتيجة دورانها حول الشمس، ويؤدّي إلى ما نسمّيه بتبدّل الفصول الأربعة، فتتصدّع الأرض- أي تنفلق- لتخرج نباتها كلّما تراجعت السماء من فصل إلى فصل، من شتاء إلى ربيع فإلى صيف وإلى خريف. وهكذا بسبب هذا التراجع السماوي وتبدّل الفصول تتفجّر عيون الأرض وتتدفّق مياهها فتفيض بغزارة الأمطار، أو تغور وتنضب وتجدب الأرض إذا أمسكت السماء قطرها.
هكذا يرتبط اختلاف مناخ الأرض باختلاف حركات السماء ربطا وثيقا، «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ».[١] «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ».[٢]
*** ومعنى ثالث أعمق وأخفى هي: رجعة الاعتدالين في دورة تستغرق ٢٦ ألف سنة، ومن جرّائها يطرأ على الأرض كلّ ١٣ ألف سنة تغيير عظيم في المناخ وفي سطح القشرة
[١] - النمل ٨٨: ٢٧.
[٢] - القمر ٤٩: ٥٤.