دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٦٤ - كلام العلّامة الطباطبائي في ماهية الكلام الالهي
كلام العلّامة الطباطبائي في ماهية الكلام الالهي
و لكن لا ينبغي الغفلة عن نكتة ههنا. و هي أنّ الكلام الالهي لا يصدر منه على المنوال الذي يصدر عن الانسان من خروج الصوت من الحنجرة و اعتماده على مجرى الحلق، و إن كان كلامه تعالى مسموعاً للنبي صلى الله عليه و آله و مركباً من ألفاظ و كلمات و جملٍ حسب ما هو المتعارف بيننا كما نشاهده في القرآن.
و قد أجاد العلامة الطباطبائي في بيان ذلك؛ حيث قال بعد بحث في ذلك: «فالكلام لايصدر منه تعالى على حدّ ما يصدر الكلام منا؛ أعني بنحو خروج الصوت من الحنجرة و اعتماده على مقاطع النفس من الفم، المنضمّة إليه الدلالة الاعتبارية الوضعية. فانه تعالى أجل شأناً و أنزه ساحةً أن يتجهز بالتجهيزات الجسمانية، أو يستكمل بالدعاوي الوهمية الاعتبارية، و قد قال تعالى: ليس كمثله شي[١].
لكنه سبحانه فيما مرّ من قوله: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ[٢]، يثبت لشأنه و فعله المذكور حقيقة التكليم، و إن نفى عنه المعنى العادي المعهود بين الناس. فالكلام بحدِّه الاعتباري المعهود مسلوب عن الكلام الالهي، لكنه بخواصه و آثاره ثابت له ...
فقد ظهر أنّ ما يكشف به اللَّه سبحانه عن معنى مقصود إفهامه للنبي كلام حقيقة، و هو سبحانه و إن بيّن لنا إجمالًا أنّه كلام حقيقة على غير الصفة التي نعدها من الكلام الذي نستعمله، لكنه تعالى لم يبيّن لنا و لا نحن تنبهنا من كلامه أنّ هذا الذي يسميه كلاماً يكلم به انبيائه ما حقيقته؟ و كيف يتحقق؟ غير أنّه على أيّ حال لا يسلب عنه خواص الكلام المعهود عندنا و يثبت عليه آثاره و هي تفهيم المعاني المقصودة و إلقائها في ذهن السامع»[٣].
[١] - الشورى: ١١.
[٢] - الشورى: ٥١.
[٣] - تفسير الميزان: ج ٢، ص ٣١٥- ٣١٦.