دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٣٠ - الوحي الحضوري المباشري
و الرسالة و كلام اللَّه تعالى. و قيل مباركة؛ لكثرة الأشجار و الأثمار و الخير و النعم بها. و الأوّل أصح ... إنّما سمع موسى النداء و الكلام من الشجرة؛ لأنّ اللَّه تعالى فعل الكلام فيها. و جعل الشجرة محل الكلام؛ لأنّ الكلام عرض يحتاج إلى محل. و علم موسى بالمعجز أنّ ذلك كلامه تعالى. و هذه أعلى منازل الأنبياء؛ أعني أن يسمعوا كلام اللَّه من غير واسطة و مبلّغ. و كان كلامه سبحانه: أن يا موسى إنّي أنا اللَّه ربّ العالمين»[١].
و ذلك لأنّ كلام اللَّه مع عباده؛ إمّا بواسطة ملك من الملائكة و إمّا بطريق الوحي الحضوري بالالقاء و القذف في القلب، و إمّا بايجاد الصوت في شيءٍ من الأشياء المادّية، كما قال تعالى: «وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا»[٢]. قوله: «إِلَّا وَحْياً» أي الوحي الحضوري. و قوله: «أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ»، أي بايجاد الصوت في شيءٍ من الأشياء المادية. و قوله: «أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا» أي بواسطة ملك من الملائكة، كالوحي إلى نبيِّنا بواسطة جبرائيل، كما قال في مجمع البيان[٣].
و الغرض أنّ الوحي الحضوري كان من أحد طرق تكلّم اللَّه مع نبيّنا
محمد صلى الله عليه و آله.
و ذلك بأنّ النبي صلى الله عليه و آله ربما كان يوحى إليه حضوراً بإلقاءِ الآيات في قلبه و روعه في حالة شبيهة بالنعاس، مثل ما نجده في أوائل النوم، و هي حالة بين اليقظة و النوم. و كان عروض هذه الحالة لثقل الوحي عليه، كما ورد عن الصادق عليه السلام أنّه قال:
«كان ذلك إذا جاءه الوحي و ليس بينه و بين اللَّه ملك، فكانت تصيبه تلك السَّبْتة و يغشاه ما يغشاه، لثقل الوحي عليه، أمّا إذا أتاه جبرائيل بالوحي،
[١] - تفسير مجمع البيان: ج ٧- ٨، ص ٢٥١.
[٢] - الشورى: ٥١.
[٣] - تفسير مجمع البيان: ج ٩- ١٠، ص ٣٧.