دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٣٣ - الوحي الحضوري الشهودي
ثانيتها: أنّ قوله تعالى: «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى» معناه أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله دنا و قَرُب إلى نور ربه في عالم الملكوت الأعلى في ليلة المعراج، ثم أوحى اللَّه إليه بالمشافهة ما أوحى؛ يعني بلا واسطة جبرئيل.
و أما كيفية الدنو و القرب لم تكن مادّيّاً قطعاً؛ لأنّ القُرب المادّي يعتبر فيه كون طرفي القرب جسمانياً، و اللَّه تعالى- و هو أحد طرفي القرب- ليس جسمانياً، و إن كان عروج النبي صلى الله عليه و آله بجسمه، كما هو ظاهر الآيات و الروايات، و لكن قربه من اللَّه إنّما كان بتعالى الدرجات المعنوية و اشتداد القوّة الروحانية.
و على أيّ حال لا إشكال في دلالة هذه الصحيحة، بل صراحتها في أنّ ما أوحى اللَّه تعالى في ليلة المعراج إلى نبيّنا صلى الله عليه و آله كان بالوحي الحضوري الشهودي و بالمشافهة، بلا وساطة جبرئيل عليه السلام. فهي نافيةٌ لما قاله الطبرسي في تفسير الآية المزبورة، من أنّ المقصود منها دنوّ جبرائيل و قربه إلى النبي صلى الله عليه و آله بعد استوائه في الافق الأعلى من الأرض و أنّ المراد إيحاءُ اللَّه تعالى نبيّه على لسان جبرائيل.
و يؤيّده ما رواه علي بن إبراهيم عن أبي الحسن الرضاء عليه السلام، قال: «و قوله: وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى يعني رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، (ثم دنا) يعني رسول اللَّه صلى الله عليه و آله من ربّه عزّوجلّ فتدلّى. قال عليه السلام: إنّما نزلت هذه (ثم دنا فتدانى فكان قاب قوسين أو أدنى). قال عليه السلام: كان من اللَّه كما بين مقبض القوس إلى رأس السية. أو أدنى أي من نعمته و رحمته قال بل أدنى من ذلك، فأوحى إلى عبده ما أوحى، قال وحي مشافهة»[١]. قوله: رأس السية؛ أي ما يُربَط به طرفيالقوس و هذا كناية عن شدّة القرب على وجه التشبيه بالقرب المادّي.
[١] - تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٣٤.