دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٦٢ - وحيانية ألفاظ القرآن
آياته و تنسيق كلماته لو كان من غير اللَّه لتغيّرت ألفاظه، و لتغيّرت بتبعه معانيه. و لسرى الاختلاف العميق في مضامينها، بل لكان يوجد التناقض في كثير من آياته، كما اشير إليه في قوله تعالى: «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً»[١].
و يشهد لما قلنا ما دلّ على ذلك من الكتاب و السنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: «وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا»[٢]؛ حيث يستفاد منه أنّ تفريق القرآن و تنسيقه في قوالب الكلمات و الجمل و تنظيمها على ترتيب السور و الآيات إنّما كان من جانب اللَّه تعالى، و كان النبي صلى الله عليه و آله مأمور بالقرائة و التبليغ. فانّ قوله:
«لتقرأه» يدل على قابلية القرآن من بدو نزوله، فلابد من كونه في قالب ألفاظ و كلمات. و كذا قوله: «فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ»[٣].
و لا يخفى أنّ الترتيب الموجود بين السور في القرآن الموجود مغايرٌ لترتيبها حسب النزول. و سيأتي ذكر ترتيب نزولها.
و منه: قوله تعالى: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ»[٤]؛ فانّ لفظ الكتاب إنّما يطلق على مكتوبات منظّمة في قالب الجملات و مفصّلة على فصول و مبوَّة على أبواب. و ليس المقصود اللوح المحفوظ؛ لأنّ موطنه إنّما هو قبل النزول و المجيء إلى الدنيا، و الآية المزبورة إنّما هي ناظرة إلى الكتاب بعد نزوله و مجيئه بين الناس، فليس المقصود، إلّا ما بين الدفّتين من السور و الآيات. و قد اسند الكتاب في هذه الآية بهذا المعنى- الذي هو المتبادر في الأذهان- إلى اللَّه. و لا يلائم ذلك إلّا ما قلنا.
و مما يدلّ على ذلك قوله تعالى: «وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، فَأَجِرْهُ حَتَّى
[١] - النساء: ٨٢.
[٢] - الاسراء: ١٠٦.
[٣] - القيامة:
[٤] - المائدة: ١٥.