من قضايا النهضة الحسينية أسئلة وحوارات - فوزي آل سيف - الصفحة ٢٧ - أسئلة في السيرةوالثورةالحسينية
الاصطدام العنيف بمسلم ، واكتفى بسيطرته على القصر ، والناس كانوا يرغبون ـ ولو على مستوى الرغبة الداخلية والنفسية ـ في تغيير الوضع القائم ، لكن الذي غيّر الأمور بشكل كامل هو مجيء بن زياد غير المتوقع أصلا ، وذلك أنه كان على خلاف مع يزيد ، ولم يكن يزيد في بداية أمره يميل إليه . لكن اقتراح سرجون بن منصور الرومي[١] ، المسيحي الذي كان مستشارا لأبيه ثم مستشارا له بأن يرسل إلى الكوفة ابنَ زياد خلط الأمور وغيّر المعادلة . وكان الأمر بهذا النحو وبهذه السرعة مفاجئا حتى بالنسبة للنعمان بن بشير الذي قال لابن زياد لما طرق باب القصر : ما أنا بمؤد إليك أمانتي يا ابن رسول الله !!
وأما أنه كيف تمت السيطرة على الأمور بهذه السرعة لصالح بني أمية ، فذلك لأنه في أوقات الأزمات الاجتماعية لا يمكن أن يبقى الانتظار سيد الموقف للأخير ، وصاحب المبادرة هنا والاقتحام ولو كان من أهل الباطل هو الذي يأخذ بزمام الأمور فيفرض على المجتمع ، ولو لمدة ، ما يريد . والمتتبع للتاريخ منذ ما بعد رسول الله وإلى أيام الأمويين والعباسيين يرى هذا بوضوح .. فضلا عن التاريخ الإنساني العام .
أما بالنسبة إلى قتل ابن زياد ، فقد ذكرت أمور لامتناع مسلم عن القيام بذلك :
١ـ الناحية الأخلاقية والشرعية : فإنه قد ذكر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن ( الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مسلم ) [٢]، وفي هذا تعليم هام لجميع المسلمين أن لا
[١] ) تاريخ الطبري ج ٤ ص ٢٥٨ : .. فدعا مولى له يقال له سرجون وكان يستشيره فأخبره الخبر فقال له : أكنت قابلا من معاوية لو كان حيا ؟ قال : نعم ! قال : فاقبل مني فإنه ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد فولها إياه ! وكان يزيد عليه ساخطا وكان همّ بعزله عن البصرة فكتب إليه برضائه وإنه قد ولاّه الكوفة مع البصرة وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده . قال فأقبل عبيد الله في وجوه أهل البصرة حتى قدم الكوفة متلثماً ولا يمر على مجلس من مجالسهم فيسلم إلا قالوا : عليك السلام يا ابن بنت رسول الله وهم يظنون أنه الحسين بن علي عليه السلام حتى نزل القصر..
[٢] / قد روي هذا الحديث في كثير من مصادر الفريقين بهذا اللفظ في مناسبات مختلفة : ففي المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج ٨ ص ٦٤٤ : قال : جاء رجل إلى الزبير أيام الجمل ، فقال : أقتل لك علياً ، قال : وكيف ؟ قال : آتيه فأخبره أني معه ثم أفتك به ، فقال الزبير : لا ، سمعت رسول الله ( ص ) يقول : ( الإيمان قيد الفتك ، لا يفتك مؤمن ). وفي مسند أحمد إن معاوية دخل على عائشة فقالت له : أما خفت أن أقعد لك رجلاً يقتلك ؟ فقال : ما كنت لتفعليه وأنا في بيت أمان ، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول . يعني : الإيمان قيد الفتك .. وفي مسند الشاميين للطبراني ج ٣ ص ٣٥٠ :عن عمرو بن الحمق ، عن النبي ( ص ) قال : ( الإيمان قيد الفتك ، من أمن رجلاً على دمه فقتل فأنا من القاتل برئ وإن كان المقتول كافرا ) . وفي مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج ٣ ص ٣٦٤ :عن أبي الصباح الكنانى : قلت لأبي عبد الله : ان لنا جاراًً من همدان يقال له الجعد بن عبد الله يسب أمير المؤمنين أفتأذن لي أن أقتله ؟ قال : ان الإسلام قيد الفتك .. والعجيب أن معاوية الذي يروي الحديث المتقدم وأنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله مارس سياسة الفتك والقتل غيلة كما لم يمارسها أحد قبله ، إلى أن كان يفتخر بقوله ( إن لله جنودا ًمن عسل ) !! وعلى هذا النهج سار ابنه يزيد فقد أرسل كما تقول بعض الروايات التاريخية ثلاثين رجلا ، وأمرهم بقتل الحسين غيلة في مكة ، ولو كان في البيت الحرام .