قراءة في السيرة الفاطمية - الحداد، كفاح - الصفحة ٣٨ - الأبوان المباركان محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة عليها السلام
لا أدري إلا أنّ المشركين قد رموه بالحجارة، وما أدري أحيٌّ هو أم ميّتٌ، فأعطيني شيئاً فيه ماء وخذي معك شيئا من هيس (نوع من الطعام)، وانطلقي بنا نلتمس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنا نجده جائعا عطشانا، فمضى حتى جاز الجبل وخديجة معه فقال علي: يا خديجة!.. استبطني الوادي حتى أستظهره (أي ادخلي بطن الوادي حتى أعلو أنا ظهره)، فجعل ينادي:
يا محمداه!.. يا رسول الله!.. نفسي لك الفداء في أي وادٍ أنت ملقىً؟.. وجعلت خديجة تنادي: مَن أحسّ لي النبي المصطفى؟.. مَن أحسّ لي الربيع المرتضى؟.. مَن أحسّ لي المطرود في الله؟.. من أحسّ لي أبا القاسم؟... ونظر جبرائيل عليه السلام إلى خديجة تجول في الوادي، فقال: يا رسول الله!.. ألا ترى إلى خديجة قد أبكت لبكائها ملائكة السماء؟.. أدعها إليك فأقرئها مني السلام، وقل لها: إنّ الله يقرئك السلام، وبشّرها أنّ لها في الجنة بيتاً من قصب، لانصب فيه ولا صخب، لؤلؤا مكلّلا بالذهب.
فدعاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدماء تسيل من وجهه على الأرض، وهو يمسحها ويردّها قالت: فداك أبي وأمي!.. دع الدمّ يقع على الأرض، قال: أخشى أن يغضب رب الأرض على مَن عليها، فلما جنّ عليهم الليل انصرفت خديجة - رضي الله عنها - ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام ودخلت به منزلها، فأقعدته على الموضع الذي فيه الصخرة، وأظلّته بصخرة من فوق رأسه، وقامت في وجهه تستره ببردها،