قراءة في السيرة الفاطمية - الحداد، كفاح - الصفحة ٥١٧ - الخطبة الأولى
ثُمَّ رَنَتْ عليها السلام بِطَرْفِها نَحْوَ الأَنْصارِ وَقَالَتْ:
يَا مَعْشَرَ النَّقِيبَةِ، وَأعْضادَ المِلَّةِ، وَحَضَنَةَ الإسْلاَمِ: مَا هَذِهِ الغَمِيزَةُ فِي حَقّي، وَالسِنَةُ عَنْ ظُلاَمَتِي؟! أمَا قال رَسُولُ اللهِ أبِي: الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ؟ لَسَرْعانَ مَا أحْدَثْتُمْ، وَعَجْلاَنَ ذَا إِهالَة، وَلَكُمْ طَاقَةٌ بِما اُحاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلَى مَا أطْلُبُ وَاُزاوِلُ؟! أتَقُولُونَ مَاتَ مُحَمَّدٌ؟ لعمري خَطْبٌ جَلِيلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ، وَفُقِد رَاتِقُهُ، وَأظْلَمَتِ الأرْضُ لِغَيْبَتِهِ واكتأبت خِيَرةُ الله لِمُصِيبَتِهِ، وَخَشَعَتِ الجِبالُ، وَأكْدَتِ الآَمالُ، وَأُضِيعَ الحَرِيمُ، وَاُزِيلَتِ الحُرْمَةُ، فَتِلْكَ وَاللهِ النَّازِلَةُ الكُبْرى، وَالمُصِيبَةُ العُظْمى، لا مِثْلُها نَازِلَةٌ، وَلا بائِقَةٌ عاجِلَةٌ، أعْلَنَ بِها كِتابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ في مَمْساكُمْ وَمُصْبَحِكُمْ، يَهْتِفُ بِهِ فِي أفْنِيَتِكُمْ هِتَافاً وَصُراخَا، وَتِلاوَةً، وَإلحاناً، وَلَقَبْلَهُ ما حَلَّ بِأنْبِياءِ اللهِ وَرُسُلِهِ، حُكْمٌ فَصْلٌ وَقَضَاءٌ حَتْمٌ: وَما مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرسُلُ أفَإِنْ مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللهَ شَيْئَاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرينَ.
إيْهاً بَنِي قَيْلَةَ! أاُهْضَمُ تُراثَ أبِيَهْ، وَأنْتُمْ بِمَرْأىً مِنّي وَمَسْمَعٍ وَمُنْتَدى وَمَجْمَعَ؟ تَشْمَلُكُمُ الدَّعْوَةُ، وتَلْبَسُكُمُ الحَيْرَةُ، وفيكم العَدَدُ وَالعُدَّةُ وَلكم الدارُ وعندكم الجُنَنُ والأَداةُ وَالقُوَّةُ، وَعِنْدَكُمُ السلاحُ، تُوافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ، وَتَأتِيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغِيثُونَ وَأنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفاح ِ، مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلاحِ، والنخْبَةُ الَّتي انتُخِبَتْ لنا أهلَ البيتِ، وَالخِيَرَةُ الَّتي اخْتِيرَتْ فنابذتُمْ فينا صميم العَرَبَ، وَتَحَمَّلْتُمُ الكَدَّ وَالتَّعَبَ، وَنَاهضْتُمُ الاُمَمَ،