الطفيات - المصلاوي، علي كاظم - الصفحة ٧٥ - البنية الداخلية (اللغة الشعرية)
إنَّ هذه الغربة غربة الديار لم تكن بأقسى من غربة الروح التي عاناها الحسين عليه السلام وأصحابه الأبرار، وكان الشاعر يحسُّ بذلك الاغتراب فينقله إليه ليكون عوناً له في غربته هو، فينطلق "الصوت الذي يسكن أعماقه الموحشة، ويركب لسانه الذي لا يكف عن اللهج والتحسس، فتظلَّ المناداة الصارخة: ياغريب الديار صبري عجيب مدخلاً لتفسير اغتراب الشاعر وغربته التي تتجاوز في المعنى كلَّ شقاء".[١٦٩]
إنَّ هذه الغربة تنسحب لدى الشاعر لينادي جدَّه الحسين عليه السلام ليصف معاناته في غربته:[١٧٠]
يا جَدُّ لا زالَ لِيْ همٌّ يُحَرِّضُني *** *** على الدُّمُوعِ ووَجْدٌ غَيْرُ مَقْهُورِ
والدَّمْعُ تحْفُزُهُ عَيْنٌ مُؤَرَّقةٌ *** *** حَفْزَ الحَنيةِ عَنْ نَزْعٍ وَتَوْتيْرِ
إنَّ السُّلوَّ لَمَحْظُورٌ على كَبِدِي *** *** وما السُّلوُّ على قَلْبٍ بِمَحْظُورِ
إنَّها غربة الشاعر السياسية والاجتماعية وقد اختلطت بغربته في التفرد والتمايز عن الآخرين، فتراه يقول في طفيته الأخرى:[١٧١]
يا جَدُّ لا زالَتْ كتائِبُ حَسْرَةٍ *** *** تَغْشى الضَّمِيْرَ بِكَرِّها وطِرَادِها
أبَداً عَلَيْكَ وأدْمُعٌ مَسْفُوحَةٌ *** *** إنْ لَمْ يُراوِحُها البُكاءُ يُغَادِها
إنَّ هذا الاقتراب الروحي من الحسين صلى الله عليه وآله وسلم من قبل الشاعر ليدلنا على أنه قد اتخذ منه مثالاً وقدوة في حياته، وهذا ما تلمسناه من خلال طفياته.
ومما سبق نلحظ أنَّ اسم الحسين عليه السلام أو بدائله التي استعملها الشاعر كانت محاور انفلاته نحو التعبير الخلاق المبدع المليء بالشعرية والعاطفة والخيال، ولون النسيج الشعري بألوان زاهية أبعدته عن التقريرية والمباشرة وأثرت في المتلقي عظيم الأثر.
[١٦٩] الاغتراب في حياة وشعر الشريف الرضي: ٢٠
[١٧٠] ديوان الشريف الرضي: ١/ ٤٨٩، تحفزه: تدفعه، الحنيَّة: القوس، نزع: جذب.
[١٧١] م.ن: ١/ ٣٦٤